رسالة حب

كتبها عمرو سلامة ، في 8 أكتوبر 2009 الساعة: 13:46 م

محبوبتي القاهرة،

أكتب لكي أخيرا، بعد أن أحببتك كل هذه الأعوام في صمت، قد تكوني تعلمين كم أحبك و لكن من المؤكد أنك لا تعلمين مقدار حبي لك، و لهذا و أخيرا و ليس آخرا قررت أن أوصف و أشرح و أعلل أسباب حبي لك و مقدار هذا الحب الذي قد يصفه البعض بالأعمى و بالأفلاطوني و لكني لا أهتم لأنني أتمتع و أتلذذ بحلاوته و ليقول من يقول و ليعترض من يعترض و سوف يجعلني هذا أحبك أكثر، لأنني أغير عليك أصلا لو أحبك أحد مقدار حبي لك.

لماذا أحبك؟ هذا سؤال أسأله لنفسي كثيرا و تندفع الإجابات كالشلال المحتبس لقرون خلف سد منيع.

هل أحبك لأنني ولدت و تربيت بعيدا عنك، و أفنيت أوائل سنيني في مكان لا أحس معه بالإنتماء و التوحد؟

لأنني في طفولتي كنت أجلس وحيدا في هذا المكان البعيد في صمت، في بلد لا أعلم فيها غير أبي و أمي و إخوتي و بعض الأطفال في المدرسة الذين لا يتكلمون كما نتكلم في بيتنا، و عندما أأتي إليك أشعر أن الكل يتكلم كما أتكلم و أجد أشخاص يحبونني مع إنني لا أعلم من هم لأكتشف أن هذه عمتي و هذه خالتي و هذا عمي و أجد أولادهم في سني مستعدين للعب معي و التكلم مثلي.

لأن بيتنا هناك لا يزوره الزائر إلا نادرا و عندما نأتي إليك تصبح البيوت مزدحمة بإناس مبتسمين و صوتهم عالي.

و حتى بعد أن كبرت بعض الشيء و صدمت بكل من حولي، إنهم يتكلمون نفس اللغة و لكني غريب وسطهم، ينظرون إلي بحقد طبقي أو بفوقية طبقية، أظنهم يحبونني و لكني أجدهم يكمنون لي الضغائن و الشرور، و لكني أتذكر هؤلاء الذين لا كنت أفهمهم تماما و أقول المر في الأمر منه و أرضى في لحظة.

لأنني عندما أتيت كان يتلذذ أبي بسرد ذكرياته في كل مكان فيكي، كان يحكي لي أن هنا كان يذهب للجامعة و رآى جمال عبد الناصر لأول مرة، و هنا كان يعيش مع خالته و هو في الجامعة، و هنا مات السادات، و هنا أول وظيفة له، و هنا سكن عندما كان هو و أمي على الحديدة.

لأنني وجدت أن أقاربي موزعين بطريقة متوازنة على أحيائك، ففي كل حي قريب أو صديق أربطه بهذا المكان.

لأنني عندما دخلت أول مدرسة فيكي صدمت أننا نجلس مع البنات في نفس الفصل – تعلمين أنني ولدت و تربيت في السعودية حيث كانت البنات كائن حرام من أصله – و أحببت لأول مرة، و أنا في السنة الخامسة إبتدائي، بنت إسمها إيمان، و أتذكرها لوقتنا هذا، و أتذكر شكلها، و أتذكر أن بعد أجازة نصف السنة أتت و الحجاب علي رأسها، و أنا كنت أظن وقتها أنه رداء إجباري فقط في السعودية و لكن في مصر هو للسيدات الكبيرات في السن فقط، و مرت السنة و لم أتكلم مع إيمان و لو مرة واحدة، و لكني ظللت أحبها لأنني في إعدادي دخلت مدرسة للأولاد فقط فلم أرى بنات أخريات.

كنت فيكي و لكني كنت جائع للطواف بشوارعك لأري ما بها من إختلاف، لا يشبه شارع فيكي الآخر – بإستثناء بعض مناطق المعادي – و أشعر أن كل شارع فيكي مبني في زمن غير الآخر، له قصصه المختلفة عن أي شارع آخر، به أشخاص مختلفون عن الشارع الآخر، و كنت لا أستطيع أن أفعل ذلك، لإن مدرستي كانت أمام بيتي مباشرة، و كانت أمي لا تسمح لي بالخروج بمفردي تماما، إلا أن وصلت الثانوية العامة، و أصريت أن أذهب لمدرستي بالعجلة، لكي أذهب المدرسة و أرجع منها كل يوم من طريق مختلف، حتى أصبحت أأخذ طرق مطولة جدا لأرى أماكن جديدة لم يسمح لي من القبل الذهاب إليها.

تلذذت بعدها أن أركب الميكروباص و المترو لأماكن لم أذهب لها من قبل، أين الكوربة؟ أين روكسي؟ لماذا أنزل في محطة فاتن حمامة؟ لماذا سميت بهذا الإسم هل كانت تسكن هنا؟ آه المرغني هو نفسه الشارع الذي كان يتمشى فيه عبد الحليم حافظ في الوسادة الخالية مع لبنى عبد العزيز.

و عندما إستوليت على سيارة والدي قهرا و إقتدارا و وضع يد، و أصبحت أسأل كل من أراه – حتى لو لا أعلمه جيدا- (إنت ساكن فين؟) فيجاوب (حلوان) فأرد بدون تفكير (في طريقي هوصلك) و أنا لا أدري ما هي حلوان و أين تقع، و أضل و أنا في طريق العودة و لا يهمني، و لا أسأل أبدا إلا أن أصل بمفردي لطريق العودة.

و عندما أحببت أول حب حقيقي طويل و أفنيت فيه حوالي خمس أو ست أعوام من عمري، كانت متعتنا الحقيقية هي الـ (كروزة) أي اللف في شوارعك بلا هدف، و خصوصا في الزمالك، مكان الحب الأول، و نطوف حولها بلا هدف نسمع ما يقدمه الكاسيت الخربان لنا، و نتشاجر على الشريط الذي سنختاره، و ننفخ فيه ربع ساعة عشان مايسفش، و في يوم نتخذ طريق المحور أو الدائري، أو نطلع المقطم – لأغراض شريفة و الله - و تبدأ هي بالتوتر لعدم معلمتها أين نحن، فأطمئنها أنا حتى لو لم يكن عندي أدنى فكرة عن مكاننا على الخريطة، و تبدأ هي بالبكاء لإن أمها "سترفع الشبشب" فهنا أرفع الراية البيضاء و أسأل أول شخص أجده ليرد علي بكل حكمة "قالك فين؟"

و بعد أن أوصلها لأمها بسلام، و بعد أن يرفع الشبشب، و بعد مكالمة التليفون الطويلة، أبدا بتجميع العصابة، طارق و مصطفى في الهرم، معتصم عند كلية البنات، أحمد أسامة في مدينة نصر، نمر عند الكلية الحربية، لنخرج في المعادي، ثم (نكروز) إحنا كمان شوية، ثم أوصلهم واحدا تلو الآخر، ثم أتلذذ بالرجوع لبيتي بمفردي، لأعلي صوت الكاسيت و أغني معه، و لكن سيارتي تقطع بنزين، و أنا معايا إثنين جنيه لا غير، فأروح البنزينة و أحط شوية بنزين في الجركل و أرجع و أكافح مع العربية إلا أن تصالحني و تعمل و أظل أقرأ القرآن أن تصل للبيت بدون أن تقطع مرة أخرى، و ثاني يوم أتصنع الشهامة لأوصل أبي أي مشوار، لإنه عندما ينظر لمؤشر البنزين أعلم أنه سيقول (يابني البنزين خلصان خش أي بنزينة) و هنا يفولها بكل بساطة، و هنا أعلم إن ليلتنا فل النهاردة و أبدأ أكلم الشباب.

و بعدها لما إكتشفت عالمك التحتي و لاحظت إن المتبرجات اللي ماشيين في جامعة الدول دول مش بيحاولوا يكونوا جمال عشان خاطر الجمال بس عشان خاطر الشباب العرب و الشباب اللي مأجرين عربية و عايزين يتبسطوا، و عرفت إن الأماكن الغريبة ديه الناس بتروح تسكور مخدرات منها، و عرفت إن العمارات ديه فيها شقق دعارة، و عرفت إن شارع الهرم اللي كنت بروحوا لخالاتي و أصحابي فيه كباريهات بيحصل فيها ما شاه و طاب لإبليس، و عرفت إن هضبة المقطم الجميلة ديه أكبر منفذ لكبت الشباب الجنسي و عرفت إن شارع المنتزه في الزمالك أحسن مكان تشرب فيه البيرة الهينيكين، و عرفت إن ولادك بيغلطوا في حقك، حبيتك

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الهاوي

كتبها عمرو سلامة ، في 28 سبتمبر 2009 الساعة: 17:22 م

كنت لسة بقرا كتاب من الكتب السينمائية اللي بطلبها من على النت و بدفع فيهم دم قلبي بالعملة الصعبة، أينعم الكتب المهمة كلها أنا خلصتها تقريبا و بقيت بشتري كتب جديدة طفاسة لمجرد متعة وصول الطرد و فتحه و شم ريحة الكتاب الجديد اللي عدى علي ثلاث قرات و محيط و بحر عشان يوصلي، و أبقى حاسس إن الكتاب ده سافر أكثر ما أنا نفسي سافرت، و بعدها كل ما أحس إني مسرف أجيبه من مكان ما انا ملقحه و أحطه في الحمام لإن ده المكان اللي بقرا فيه غصب عني، و لو طلع كتاب جامد بيجبرني إني أحطه في شنطة اللاب توب علشان أقراه كل ما أزهق من الكتابة و مش عايز أضيع وقتي في الشات أو الفيس بوك.

المهم بالرغم من إن الكتاب ده مش جايب الديب من ديله، و رغى حبتين بس فيه كلام أثر فيا شوية، كلام عن معضلة من أكبر معضلات الفن اللي بتشغل معظم الفنانين اللي عندهم ضمير.

طبعا المعضلة ديه بالنسبة للناس اللي مش بتشتغل في الفن هتتشاف على إنها دلع أو كسل و لكن بالنسبة للفنانين هي شبح يومي و الشبح ده بتلاقيه في وشك كل ما يتعرض عليك شغلانة أو مشروع جديد و تبقى مش عارف توافق ولا لأ.

المعضلة ببساطة هي كالآتى، هل أوافق على أي حاجة هتنفعني ماديا أو هتحسن و تكبر إسمي أو هتعلمني بس أنا مش حاببها و مش مقتنع بيها و لا لازم كل اللي أعمله و أشتغل عليه يبقى مني و حاسه و حابه و بيناول موضوع شاغلني؟

و طبعا زي ما قلت لو إنت مش فنان مش هتحس بالمشكلة ديه، يعني مثلا مافيش محامي هيقول لأ القضية ديه مش حاببها أو حاسسها، مافيش محاسب ضريبي هيقول لأ والله شركات الأسمنت مش بتعبر عني و مش هتجيب كهربائي يصلحلك حاجة و يقولك لأ شكل الكهربا هنا مش باهرني، أو السباك يقولك معلش أصل الحنفية مش قادر أتوحد معاها، طبعا في شواذ للمواضيع ديه بس في المجمل لأ ديه شغلتك أو بمعنى أصح حرفتك اللي بتأكلك عيش و لازم تعملها عشان تصرف على بقالة الثلاجة و مصاريف تعليم الأولاد.

الفن برضه فيه كده و اللي بيعمل كده ساعات بيقولوا عليه (نحيت) و ده لفظ بيتقال على الفنانين اللي بيشتغلوا عشان القرش قبل أي حاجة ثانية، بس أنا مش مسميه نحت على قد ما بشوفه إحتراف أو بالإنجليزي إسمه واحد
professional
و معناها حد بيعمل حاجة بيعرف يعملها كويس و بيكسب منها فلوس بدون عواطف.

و عكس إنك تكون محترف هي إنك تكون هاوي أو بالإنجليزي برضه
amateur
و كلنا فاكرين إن معني الكلمة هو الفنان المبتدء اللي ماعندوش خبره أو غير ناضج أو لسة بيتعلم أو لسة مش بيعمل فلوس و ده اللي بنقول عليه هاوي، مع إن الكلمة (الإنجليزية) أصلا جاية من اللغة اليونانية و أصلها
with love
أو
with passion
يعني إن حد يعمل حاجة و هو يحبها أو يعشقها، و بالعربي برضه جاية من الهوى اللي هو الحب، مش معناها إنه مبتدء أو مش بيكسب منها فلوس.

فالمعضلة الحقيقية هي هل تبقى هاوي و تعمل اللي بيستهويك و لا تبقى محترف و تعمل فلوس و أفلام و أعمال تعجب الناس و الناس اللي طالباها منك؟

طبعا كل يوم و علي حسب الحالة المادية و المزاجية الواحد ممكن يغير رأيه، اللإثنين مش عيب علي فكرة، لا عيب إنك تتعب و تكسب فلوس من حاجة مش على هواك، و لا عيب إنك تكون هاوي و ماشي ورا أحاسيسك و تعمل فلوس أقل في معظم الوقت.

أنا مثلا، مؤمن جدا إني عايز أكون و أفضل هاوي، بس ساعات كنت بغير رأيي و أعمل حاجات مش حاببها.

أنا أصلا إشتغلت الشغلانة ديه (ألا و هي الإخراج و الكتابة و الفن عامة) لإني حاببها و معرفتش أشتغل حاجة مش حاببها، حتى لو واخد فيها شهادة و عندي فرص فيها أحسن و هتجيبلي فلوس و إستقرار و هتحطني في موقف أظرف مع أهل البنت اللي هتقدملها في يوم من الأيام لو ده حصل، بس ساعات بقول مش هطمع بقى، مش لازم كل تجربة جوا الشغلانة تكون عاجباني و حاببها، فجالي أوقات عملت فيها حاجات مش حاببها، زي مسلسل أو أغنية أو إعلان، لفلوسها، أو عشان أنتج أي منتج بدل ما أقعد أكتب في بيتنا بس بين الفيلم و الفيلم.

و التجربة أثبتتلي بالدليل القاط

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

إسترجل

كتبها عمرو سلامة ، في 3 سبتمبر 2009 الساعة: 01:10 ص

أنا حاسس إن اللي هكتبه عامل زي كلام الأهالي و الواعظين و رجال الدين أو أي حد رخم بيحاول ينصح.

بس أنا مش بنصح حد باللي هكتبه، أنا بس هحاول أحط الأفكار اللي بتتخانق جوايا بقالى فترة.

كلنا بتيجي علينا فترات من التفكير، إحنا الشغلانة اللي بنشتغلها ديه ليها لازمة؟ أنا خروجي مع أصحابي له لازمة؟ الوقت اللي بضيعه علي الفيس بوك ليه لازمة؟ أنا لو عبدت أو فجرت هتفرق؟ أنا نفسي ليا لازمة؟ أنا لو مش موجود هتفرق مع الكون الكبير ده؟

ساعات بفكر في ناس كثير أعرفها عدميين جدا، حسين إن كل حاجة مالهاش لازمة، مش داخل دماغهم صح و غلط و جنة و نار و يمكن مش مقتنعين بربنا، و ده حولهم لكسالى قاعدين على كنب بيقضوا كل لحظة بلحظة، عاملين زي ما قال الصينيين السمكة الميتة، لإن السمكة الميتة بس هي اللي بتمشي مع التيار، بفتكرهم و بحس إني مش عايز أبقى كده، من غير أسباب، حاسس إن ده غلط و كخة.

ببص ساعات ثانية لناس ثانية أعرفها برضة، دايرين في الطاحونة، ماعندهمش وقت أصلا يفكروا، قاعدين يشتغلوا الشغلانة اللي ظروفها أحسن ظروف بالنسبة لهم، و بليل يخرجوا لو لحقوا، و عايزين يتجوزوا و يخلفوا عشان يبقى عندهم حاجات أكثر تلهيهم من الأفكار الديه، الأفكار اللي ممكن تؤدي بأي بني آدم عاقل للإنتحار لو ساب نفسه ليها.

الدين اللي أنا مؤمن بيه، و في القرآن اللي أنا مؤمن بيه برضه إتقال إننا مخلوقين عشان نعبد، و كنت فاكر زي معظم الشباب اللي إستمد ثقافته الدينية من وقفة الكشك و القعدة على القهاوي إن العبادة هي الصلاة و الصوم و الحكم على الناس، ده ملتزم و ده ربنا يهديه، ديه بنت محترمة و ديه ……..، و بعد شوية حد قالي جملة "العمل عبادة" و كنت فاكره زي معظم الشباب ديه إن الجملة ديه حديث شريف، و إكتشفت إنها مقولة و خلاص، مش عارفين حتى مين اللي قالها، طيب أمال عبادة يعني إيه طيب؟

طبعا أنا مش هفتي يعني إيه عبادة، بس بقالى فترة دماغي مشغولة، و نفسي أوصل لنتيجة حتى لو عارضت الدين و المعاريف بس دخلت دماغي هرتحلها، يعني إيه عبادة، يعني إيه حلال و حرام، أنا مخلوق ليه؟ أنا هنا ليه؟ حتى لو شرخت و كفرت و فجرت، أنا مش مستعد أبٍقى عدمي و أحس إن وجودي غير مبرر و مش هيفرق و هيتنسي، ببساطة، مش موافق.

لحظة نور حصلتلي في الكام ساعة اللي فاتوا، هي اللي خلتني أقعد أكتب الكلام ده، لحظة إستنتاج و أو بمعنى أصح لحظة التوصل لمعنى مريح نفسيا بالنسبة لي حبيت أشاركه مع أي حد وصل بالقراية لحد السطر ده.

لحظة النور ديه بتحصل معايا كل مرة بنفس الطريقة، موضوع يشغل بالي، ألاقي كل حاجة بتحصل بعدها بتباصيلي أفكار عشان أشوط لحد ما ييجي جون، ممكن أكون انا اللي بعمل تربيطات أي كلام و بشتغل نفسي بس المهم إني بوصل.

النهاردة مثلا و بالصدفة صليت المغرب و لقيت صديقي اللي بيصلي بيا بيقول الآية اللي بتقول إن من يعمل مثقال ذرة خير يرا و من يعمل مثقال ذرة شر يرا، و ديه كانت آخر سلسلة الأفكار.

حتى لو ملحد -أصل أنا بقيت أعرف ملحدين كثير- خدني على قد عقلي، سيبك إن ده كلام قرآني أنا مقتنع مسبقا بيه، بس ماحدش في الدنيا -أنا أعرفه على الأقل- مش مقتنع إن فيه خير و شر، مع مساحة للإختلاف في تعريف الخير و الشر، بس كلنا بنحس بحاجات إنها خير و بنحس حاجات ثانية إنها شر، ممكن نختلف و نقعد نقنع بعض، ممكن نغير أفكارنا أو لأ بس جوانا الغريزة لفعل الخير و بنتبسط لما نعمله و كلنا برضه عنده غريزة إن ضميره بيأنبه لما يعمل الشر، و يإما بيعاقب نفسه، أو يكره نفسه، أو يبرر لنفسه، أو لو كان إيجابي قوي بياخد قرارات جديدة و بيغير من نفسه.

و بكل بساطة، الخير هو اللي بينفعك و ينفع الناس، و الشر هو اللي بيئذيك و يئذي الناس، و ربنا حلل و طلب منا اللي هو شيفوا خير و بينفع و حرم اللي شايفه شر و مؤذي، ببساطة.

فأعتقد بكل بساطة، و نتيجة لما سبق، الحياة هي رحلة من فعل الحلال اللي هو الخير و محاولة تجنب الشر و كل واحد و دماغه في الرحلة الأبدية لربط بين كل حاجة في حياته بين ديه أو ديه.

بس السر الأعظم و المصيبة اللي كنت الناس مش واخدة بالها منها إن مش مهم إنك تعرف و تربط بين الأفعال و الخير و الشر و الحلال و الحرام، الأهل مليون مرة هو إنك تعمل، و المسؤولية المحطوطة عليك من ربك و من المجتمع و اللي المفروض تحطها على نفسك – و ده الأهم – إنك تعمل، القوة اللي الجواك لازم تكبرها عشان تحارب أشد عدو للبشرية من وجهة نظري و هو النفس، الأمارة بالسوء و الشر و المحبة للغرائز و المصيبة الأكبر الأمارة بالعدو اليومي المرير الصعب في قهره، الكسل.

و بعد الكسل هيواجهك مليون حا

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الذكريات غير السعيدة لهاني سوسة

كتبها عمرو سلامة ، في 16 مايو 2009 الساعة: 10:37 ص

محفورة هي ذكرياته عن مدرسته، منقوشة ببراعة على حوائط عقله الباطن و الواعي، لا ينساها و يستطيع إسترجاعها بسلاسة، رغم أنفه تقف أمامه الصور و الأصوات كلما حاول أن يتجاهلها، بكل ما إستطاع بذل أقصى مجهودة ليبعدها عن خياله، ليطرد هذه الطاقات السلبية من عقله و من قلبه، هذه الذكريات هي النواة الصغيرة التي دائما ما تتفجر لتحدث إنفجار ذري لكل مشاعر الكره و الظلم التي يكنها، بالرغم إنه إنسان طبيعي، بشوش، محب للمجتمع، غير متعكر المزاج، تراه دائما مازحا و ذو روح دعاية عالية و حس فكاهي جذاب، و لكن هذه الذكريات التي تأتي بدون دعوة أو ترحيب قادرة علي تعكير مزاجه.

يمر دائما أمام مدرسته و لا ينظر لها، لا يريد أن ينظر لسورها أو لحوائطها و لنوافذها، يعلم أن كل طوبة سيفتح شرخ في نفسه، يتوتر عندما يفعل، عندما تقف السيارات في زحمة المرور أمامها، يبدأ في التصبب في العرق، يضغط على الزر ليعلوا صوت المذياع، يغلق شبابيك السيارة، يحاول أن يغني مع أي أغنية، يدخن سيجارته، يفكر في أي حالة من الحالات التي يعالجها في عيادته الفخمة، يفكر في إبنته و كيف يحبها، حتى تسير سيارته، و يبتعد عن المدرسة القديمة، هنا يشعر كإنه كان يغرق و الآن فقط طفى فوق سطح البحر و تنفس من جديد، و يحاول أن يذكر نفسه أنه في المرة القادمة سيأخذ الطريق الأطول حتى لا يمر من هنا.

بالرغم أن عشرة سنين تقريبا مرت على كل هذه الأحداث و لكن هاني يتذكرها و يتذكر مشاعره وقتها، يتذكر جيدا هذه الليلة التي سبقت أول يوم في الدراسة، كانت ليلة متوترة غير مريحة، لم يستطع النوم يومها إلا نصف الساعة، مع إنه كان مستلقى على السرير من الساعة العاشرة مسائا، و لكنه لم ينم إلى أن وصلت السابعة صباحا، حاول أن يفكر في كل كلام أمه المهدئ، حاول  أن يتذكر أبيه المتوفى ربما يأخذ يده و يدخله حلما ليقابله فيه، ظل يناجي يسوع، يدعيه أن يسهل نومه و يساعده في غلق جفنة، كان عقله مشغول بهذه المدرسة الجديدة التي سيدخلها، مدرسة يعلم أنها ستختلف تماما عن هذه المدرسة الخاصة غالية المصاريف التي كان بها السنوات السابقة، جلست معه أمه، حاولت أن تمتدح المدرسة الجديدة، بأنها عريقة و أخرجت رجال  مهمين في المجتمع، و علمت أنها لن تستطيع خداعه طويلا فشرحت له ظروفهم بعد موت أبيه المفاجأ، شرحت له أنها لا تريد إهانة نفسها بطلب المساعدات من عمه أو من جده، و تفهم هو هذا بعقلانية و مسؤولية بالرغم من عدم تعديه سن الإثنى عشر سنة، أو على الأقل تظاهر بهذا، في الحقيقة هو لم يكن يعي الفرق بين المدرستين، و لأنه رآى عيناها تدمع فإبتسم و كان مستعد للموافقة علي أي شيء تقوله، حاول أن يربت على كتفها بنفس طريقة والده، فلاحظت هي ذكاء محاولته و إبتسمت.

بعدما إستيقظ تمنى لو لم يكن نام هذه النصف ساعة، شعر بالدوار و الصداع و الغثيان، أكل البيضة و لعق العسل ككل يوم، و أخذ معه تفاحته الخضراء التي تقشرها أمه له كل يوم، كان رفيعا يبدوا هزيلا و لكنه كان رياضيا، يحبه مدرب التنس في النادي، كان المدرب الرجل الذي أصبح بدل فاقد للأب في أعين هاني، لأنه ينظر له بحنان، لإنه مسيحي مثله، لإن أعينه خضراء تماما مثل والده.

توقفت سيارة أمه – الفيات ١٢٨ البيضاء – أمام المدرسة، نظرت للأطفال الداخلين معه، و نظر هو أيضا، تعجب من أشكالهم، أشكالهم تختلف تماما عن أصدقائه في مدرسته السابقة، و عددهم لا يحصى بالنسبة لعدد من كانوا معه، و إستعجب من عدم هندمتهم، و إن كل منهم يرتدي ملابس مختلفة عن زملائه، فلماذا تأنق هو إذن و ألتزم بالزي الموحد؟ لماذا إرتدى رابطة العنق – أم أستك – و لماذا كوت أمه قميصه و بنطاله في ربع ساعة و لماذا سرح شعره؟

و من قبل أن يرتجل من السيارة بدأ الشعور بالوحدة في التغلل داخله، و شعور آخر بالتغرب، علم أن هذا العالم لن يكون هينا، لن يرحب به، لن يشعر فيه بالألفة، و لم يكن متأكدا إن كان سيستطيع التكيف معه أم لا، هل سيستطيع أن يصادق أحد من هؤلاء الفتية الذين لا يشبهونه و لا يشبههم.

ودعته أمه ببرود مصطنع حتى لا تجعله يهول من الموقف، قالت له أنها ستكون هنا قبل ميعاد خروجه، فنزل من السيارة و هو يلاحظ أن كل زملائه ينظرون لها، و لشعرها الأصفر الذهبي، و لسيارتها التي هي بالنسبة لهم فخمة بما إنها سيارة في حد ذاتها، و لاحظ أحدهم ينظر له و يقول له بفم مفتوح ببلاهة "أمك مزة يالا"، نزلت عليه الكلمة كالصاعقة، هاهي أول رسالة ترحيب منهم له، ها هي أول جملة يسمعها من زملائه، فار دمه، لم يدري ماذا يفعل، و بينما هو مصعوق مما سمعه، و بينما هو يحاول ترجمة كلمة "مزة" التي لم يسمعها من قبل، وجد أن قائلها إختفى وسط الجموع، الجموع الممتدى على مرمى البصر، في حوش كبير مترب، إعتلى التراب مستوى الأرض، و أصبح يرى التراب يطفوا فوق الأرض بأمتار بسبب كثرة السائرين عليه، نظر لهذه الصورة المصفرة، و عطس من كثرة التراب، و دخل الحوش و قلبه ينبض بعنف.

أخذ وقتا إلى أن علم في أي طابور يقف، ملايين الطوابير، كل طابور يقف فيه على الأقل ثمانون تلميذا، ملايين المدرسين، شعر بالضئالة بين هذه الأعداد الغفيرة، وقف في طابوره و ظل يتأمل أشكال زملائه، ظل يتأمل حركاتهم و ملابسهم، أحس أنه دخل الجحيم للتو، أشكالهم مرعبة، حركاتهم غربية عليه، صوتهم عالى، يسلمون على بعضهم البعض بترحاب مبالغ فيه، يمسكون بعضهم في أماكن غريبة كنوع من الدعابة، حاول هو التماسك، و حاول أن يخفي نظراته لهم، حاول أن يركز في تحية العلم، مع الأغنية الوطنية التي يغنيها تلميذ يقف على منبر عالي بينما خلفه فرقة موسيقية كاملة، أحدهم على طبلة و الآخر على أورج و الآخر ممسكا بناي، حاول أن يستمع جيدا لمعلومة "هل تعلم" حاول أن يتظاهر الإهتمام بأن "عمر السلحفاة يتراوح بين ثمانين و مائة عام" إهتم جيدا بسماع الآية القرآنية و الحديث الشريف حتى و هو لا يفهم اللغة العربية الفصحى جيدا إلى أن إنتهت هذه المراسم الرسمية و إعتلى الناظر المنبر و بدأ بقول تحذيراته الجديدة، أو للدقة تهديداته و وعيده لأي إختلال، سمع  منه لغة جديدة على أذنه، الرجل يسب بين كل سبة و سبة سبة، سبب جديدة لم يسمعها من قبل في الشارع أو في التلفاز، "يا حشرات ضارة" مثلا "يا كلاب المجتمع" أو "اللي مش هيحترم نفسه هعلقه من لباسه ع العلم لحد ما ييجي ولي أمره" و هكذا، و لكن إلي حد ما كانت تحذيراته مطمئنة له، وجود رقابة صارمة ستجعل هؤلاء التلاميذ خائفين و ستجعلهم أكثر إستقامة، و لكنه كان متفائل، حيث أن بعدما أطول الرجل في خطبته التي يظنها تاريخية بدأ هاني يسمع تعليقات التلاميذ الساخرة "ماتخلصنا يا عم الشجيع" و جمل من هذا القبيل، و عندما قال أحدهم "يا عم سيبك من الكلمتين بتوع أول كل سنة دول و سيبنا نطلع ننام" بصوت عالى جهور سمعه مدرس، فلم يتردد بإعطائه صفعة مدوية علي قفاه و هنا وقع التلميذ و تحول أسلوبه من ناقد ساخر معارض إلي طفل رضيع يبكي بشدة، في لحظة نزلت الدموع بغزارة من عينيه و نزل المخاط الأصفر و الشفاف من أنفه كأنه ضغط على زر خفي تحت أذنه لتخرج هذه السوائل كالفيضان بدون مقدمات، و ظل يحلف بالله و الكعبة و النعمة أنه لم يقل أو يفعل شيء، و لكن المدرس حمله من أذنه و إعطاه ركلة أخرى على مؤخرته و قال له "إطلعلي فوق" و إصطنع التلميذ أنه متجه لهذا "الفوق" و لكنه ذاب وسط الجموع و وقف متخفيا في طابور آخر، و نظر لهاني الذي كان يتابعه بنظراته و علم مكانه، نظر له في تهديد فلم ينبت هاني بالطبع ببنت شفة، و كانت هذه أول مرة يرى فيها هاني هذا التلميذ، علي.

كان على سمين، شعره أحمر و عيناه زرقاء و لكن هذه الألوان لم تضفي عليه أي من أشكال البرائة، علي النقيض إعطته شكل مخيف مرهب، كان قميصه دائما خارج عن البنطال و كرشه الكبير مدلدل منه، من الواضح أن ملابسه أضيق منه، صوته عالى و وجهه محمر دائما و لم تكن تراه إلا و تجد وجهه مصبب بالعرق إلى درجة تجعلك تظن أنه "طس" وجهه للتو بالكثير من الماء و لم يقم بتنشيفه.

دخل هاني الفصل، وجدهم جميعا بقوة و عنف يتصارعان على مقاعدهم المفضلة، جلس علي بالطبع في آخر صف على طاولة يحتلها بمفرده، من المفترض أن هذه الطاولة الصغيرة يجلس عليها إثنان من التلامذة، ، لكن بالطبع كانت معظم الطاولات يجلس عليها ثلاثة تلاميذ بسبب العدد الكبير الذي يفوق عدد الطاولات، و وقف هاني في صمت يلاحظ ما يحدث، منتظر أن تهدأ الزوبعة، ليجد أن الطاولة الوحيدة الخالية هي الطاولة الواقعة في الصف الأول في المنتصف تماما، ما لاحظة أيضا أنه لم يجلس عليها أحد و فضل البعض "التزنيق" على الجلوس على هذه الطاولة، فمن المؤكد أنها ملعونة بشكل ما لم يفهمه هاني، و هنا في إستسلام إتجه هاني لها، ليجلس عليها بمفرده.

لاحظ الجميع أن هاني معه حقيبة غالية الثمن، لاحظ الجميع أن حذائه و ملابسه أنيقين منمقين، لاحظوا أنه يرتدي الزي الرسمي و لم يخرج عنه، و كان هذا كافي لإستفزازهم و لتحديد هوية طاقتهم التي ستفرز تجاهه، من المؤكد أنها ستكون طاقة سلبية، من المؤكد أن هذا الزميل الجديد سيكون "تاكسي السهرة"، و هذا هو المصطلح الذين يطلقونه على أقلهم مقدرة و قدرات جسمانية و الذي سيكون له نصيب الأسد من المضايقات و الإستهزاء و النكات و الذي سيستغله الجميع لتحقيق أي غرض لهم.

بدأت الحصة الأولى، و توالت الحصص بعدها، و لم يشرح أحد من المدرسين شيء، كانوا مهتمين بتقديم أنفسهم و إختيار لون الجلاد و توضيح معالم شخصياتهم في أول تعارف بينهم و بين التلاميذ، و تفنن الجميع في إرهاب الأطفال، كل بطريقته، حتى يفرض شخصيته عليهم "من أولها"، و كانوا يستخدون طرق إقناع غريبة بعض الشيء، كان كل منهم يتباهى بالمكان الذي جاء منه كمثل "و ماحدش يفتكر فيكوا إني محترم، أنا من إمبابة و اللي هيتكلم هطلع…. و الآخر "أنا من حواري بولاق و عارف حركاتكم كويس" و هكذا، و تقريبا جميعهم إتفق على شيء واحد "تبقى محترم أحترمك، تقل أدبك أو تنسى نفسك هقلع اللي في رجلي و أديك بيه"، و كشكل من أشكال التعارف طلب منهم أحدهم أن يقف كل منهم و يقول إسمه و مهنة والده – فهم هاني بعد سنين أن الغرض من هذا السؤال أن يعلم المدرس إن كان التلميذ له "ظهر" أم يستطيع أن يهينه كما يشاء – و لاحظ هاني أن الجميع يقول كلمة "لامؤاخذة" قبل المهنة، و لم يكن يعلم هاني معنى الكلمة محددا غير أنه يسمعها في ليالي الحلمية، فكان التلامذة يقولون "لامؤاخذة حلاق" أو "لامؤاخذة صرماتي" و قال علي "لامؤخاذة جزار" و هكذا، و لم يكن هاني يعلم معظم هذه المهن، و لا يتذكر أنه سأل أي من أصدقائه من قبل عن مهنة أبيه أو أمه، و كان يظن أن المهن هم دكتور أو مهندس فقط، و لهذا عندما وقف قال "هاني.. بابا لامؤخذة مات" و هنا سأله مدرس العلوم "و لامؤخذة ليه؟" فرد هاني في إحراج "أصلهم كلهم بيقولوها" و هنا إنفجر علي في الضحك و بالطبع ضحك الجميع خلفه – كان علي المقرر دائما لردود الفعل، إن ضحك علي على شيء فوجب من الجميع الضحك، إن إعترض يعترض الجميع إن صمت تسمع صوت الإبرة لو وقعت على أرض الفصل – و هنا صاح علي "دا إنت اللي شكلك لامؤخذة يالا" و هنا ضحك الجميع أكثر، و صاح أحد المهللين "الواد ده إسمه لامؤاخذة" فقام الآخر بالتكملة "يا لامؤخذاااااة" و هنا أسكتهم المدرس.

بالطبع لم يكن هاني يعلم أن هذا سيكون إسمه الذي أطلق و سيطلق عليه دائما.

في الفسحة دخل هاني الحمام بشنطته، ليأكل التفاحة بدون أن يراه أحد، كان يعلم أنه إن أخرج التفاحة أمام هؤلاء المتوحشين سيقومون عليه الحد و إن لم يأكلها ستكون مشكلة أكبر مع أمه.

جائت الحصة الأخيرة التي كان ينتظرها هاني بفارغ الصبر، كانت حصة لغة عربية، دخل المدرس و سأل جميعهم عن إسمهم بالكامل الثنائى أو الثلاثي و في أوقات أخرى الرباعي – لم يكن هاني يعلم أن الغرض من السؤال هو أن يعلم المدرس بطريقة "خبيثة" إن كان أحدهم مسيحي أم لا – و كان الجميع يقول إسمه إلى أن يقول إسم من الأسامي التي تطلق على المسلمين مثل محمد أو أحمد أو مصطفى و هنا كان يطمئن المدرس و يقاطعه، و عندما أتى الدور على هاني وقف و بدأ بقول أسمه "هاني عبد الله ….” قاطعه المدرس قبل أن ينطق هاني ببقية أسمه الذي كان "جرجس سوسة" و قال له المدرس "أقعد" و عندما إنتهى من الفصل كله قال في راحة "الحمد لله.. يعني مافيش حد هنا مسيحي"، كانت هذه الصاعقة الأخيرة من سلسلة الصواعق التي تلقاها هاني في يومه الأول، إنتهت الحصة الأخيرة و هرع هاني للحوش، ثم لخارج المدرسة، يعدوا و هو حاملا حقيبته الثقيلة الوزن التي تتأرجح على كتفيه، كأنه يريد أن يستيقظ من هذا الكابوس، وجد أمه في ال

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

البهلوان.

كتبها عمرو سلامة ، في 4 مايو 2009 الساعة: 16:58 م

البهلوان الميت.

في وقت لم يكن و في مكان لم يوجد حدثت هذه الأحدات التي لم تحدث… ليس كما هي.

لم يكن أحد في التاريخ قار على إستخلاص الضحكات من أفواه البشر مثله، حتى أن البعض يكاد يجزم أن الكلاب و القطط تضحك من نكاته و حركاته التي تظن أنها محسوبة من خبير رياضي و فيسيولوجي حتى يكون لها قمة التأثير على خلايا العقل المسببة لفعل اضحك.

يقول نكاته و حركاته و هو جاهم الوجه، معقد الحاجبين، لاويا الجزء الأعلى الأيسر من شفتاه، و بمجرد أن يطمئن أن الجميع دخل في نوبة الضحك يبتسم إبتسامة بسيطة محاولا فيها لإغلاق فمه، فهو لا يضحك بصوت عالي، لا يضحك لأكثر من عدة ثواني، لا يوجد هناك ما يضحكه و يفاجئه.

كان يحبه جميع مرتادي هذه القهوة التي تقع في حارته، كان جميع الرجال ينتظرون هذا الوقت من اليوم الذين يذهبون فيه للقهوة لشرب المعسل و السماع لهذا المضحك الذي يسرد حكاويه اليومية المضحكة قبل أن "يستلم" أحد روادي القهوة و يبدأ بالسخرية منه، من شكله، من طريقة كلامة، من أسراره التي يعلمها الجميع.

حتى أن البعض كان يأتي من حارات أخرى للجلوس في هذه القهوة لإختلاس السمع و الضحك، بالرغم أن مشاريب القهوة لها طعم أسوأ من طعم الدواء و شيشتها تجعلك تشعر كإنك تسحب أنفاسك من شكمان سيارة قديمة قاربت على التهالك التام.

كان للمضحك صديق قديم، كان هذا الصديق يحبه جدا و يكن له بولاء كبير، حتى و إن كان دائما الخامة الخصبة لسخريته، كانا يدرسان سويا طوال عمرهما، و كان الصديق يذاكر له، يحل له واجباته، و يغششه في الإمتحانات، عندما كانا يلعبان الكرة و يأتي الدور علي المضحك ليقف حارس مرمى كان يقف الصديق مكانه، عندما كان المضحك يتجاهل إحدى حبيباته القدامى كان الصديق هو من يقنعها أن المضحك تركها لأهم الأسباب و أنه ضحى بقلبه و حبه لمصلحتها، بينما كان يتركهم المضحك ببساطة لأنه وجد من هي أجمل أو أغنى أو ببساطة أجدد.

لم يكن الصديق يحزن عندما كان يرى الإنبهار في أعين الفتيات متجهه لصديقه المضحك، كان يعلم أنه يتفوقه في كل شيء، فما الذي به ليكون مبهر لأي أحد؟ إنه بدين بعض الشيء، شعره أجعد، قليل الثقة في نفسه الى حد يلحظه أي كفيف، يكفي أن تسمع كلامه لتلاحظ بطئه في ردوده أو تلعثمه في كلماته عندما يحاول أن يدافع عن نفسه خصوصا أمام سخريات المضحك الثقيلة له.

كبر الإثنان، عمل المضحك كتاجر كما يقول عن نفسه، أو بالأصح كبائع، أو للدقة كمندوب مبيعات كما لا يحب أن يقول عن نفسه، كان يجوب الشوارع بهذه البضائع الرخيصة، يحاول إقناع هذا و ذاك أن الذي يحمله معه هو إكتشاف علمي مذهل و نادر و نفيس و سعره "لقطة" و "مش هتلاقيه في حتة غير عندنا" و كل هذا الكلام، كان يبيع الكثير عن أصدقائه بسبب خفة دمه و لباقته، و لكن في النهاية لم يكن يجني ما يكفي لسداد ديونه لصاحب القهوة الذي كان يتجاهل حسابه لأنه يعتبره نجمه المجذب لمعظم روادي القهوة و يعلم أنه إن غادر سيضطر لتحسين جودة مشاريبه مما سيجعله يخسر الجلد و السقط.

غادر الصديق الحارة منذ زمن، ألمه كثيرا أن المضحك لم يكلمه و لو مرة ليسأل عليه، و لم يرد على مكالماته اللحوحة، و عندما كان يذهب له ليجلس معه في القهوة كان يعامله بفتور كإنه يحاول التبرأ من صداقته، فقطع إتصاله به عندما أحس أنه سيكون عبئ عليه، و مر على هذا بعض السنين.

في يوم حزين للمضحك ذهب لعمله ليجد أن الشركة التي يسوق منتجاتها أفلست، و أنه الآن بدون عمل، بدون شيء ليسوقه، و كان يعلم صعوبة الحصول على عمل في هذا الزمن، و كان في حالة مزاجية سيئة جدا، و يعلم أنه إذا رجع الحارة سيكون المطلوب منه إضحاك أفواه تنتظر دعاباته، فقرر العودة لبيته في وقت متأخر بعد أن تخلى القهوة من روادها فلا يقابلهم و هو متجه لباب بيته.

إشترى علبة سجائر مستوردة بمنطق "ما هي بايظة بايظة" و ظل يدخن الواحدة بعد الأخرى و هو يتمشى على النيل، و معدل إكتئابه يعلوا مع كل خطوة يسيرها بلا هدف.

توقف و نظر للسيرك، المكان الذي لم يدخله في حياته قط، هل هناك ما يمكن أن يزيل إكتئابه في هذا المكان؟ قرر أن يتجاهله، و لكن شيء ما أثار إنتباهه، صورة ممثل البانتومايم الموضوعة أمام السيرك، إنه يشبه صديقه القديم جدا، ربما إنه هو، نعم، هذا هو إسمه بالفعل، إشترى تذكرة بما تبقى له من مال و دخل القاعة التي تكاد تكون خالية من الجمهور، بإستثناء بعض العائلات التي تحاول إبهاج أطفالهم، أو بعض الأحبة الذين وجدوا في السيرك مكان للتسامر أفضل من الكافيتريات التي لها حد أدنى من الطلبات.

لم يهتم بعرض الأسد أو الفتاة التي تسير على الحبل، حتى مع رشاقة جسمها و جاذبيتها و جمال وجهها، و بعدها خرج أحدهم، يعلن بأسى عن إلغاء فقرة البهلوان و أنه يوعد ببهلوان جديد في غضون أسبوع من يومه، و قدم الرجل للجمهور ممثل البانتومايم، و هنا أحبط الناس من عدم وجود البهلوان، و غادر معظمهم، و هنا خرج ممثل البانتومايم ليقوم بحركاته المبهرة، المبهرة لمن يهتم بمتابعتها، ظل المضحك ينظر له مبهور بما يفعله و لكن بدون أن يخلى وجهه من إبتسامة المفاجئة، أو السخرية، و لكنه صفق له مع المصفقين.

خرج لاعب البانتومايم من غرفته متجها الى الشارع بعد أن سلم على كل من يجده، و يسأله عن عرضه، و كان الكل يحمسه، و يقول له أن بدايته جيدة جدا و أن له مستقبل باهر، كان هذا يزيده من ثقته في نفسه و يفرحه، و يأكد له أن إختياره ليكون ممثل بانتومايم كان قرار صائب، و سيجد فيه التقدير الذي لم يحصل عليه من قبل، و في طريقه لمحطة الأتوبيس وجد صديقه المضحك، وجده يقترب منه و يسلم عليه بحرارة و يعنفه على عدم إتصاله به من فتره، و عدم إطمئنانه على صحته و عدم تعزيته عندما توفت والدته، و لكن ممثل البنتومايم حاول تذكيره بمكالماته له، و أنه كان بجانبه وقت الصلاة و الدفن و العزاء الخاص بوالدته و لكن المضحك لم يتذكر، و بعد بعض الكلام الذي لا وزن له، سأله في خبث، "هو السيرك صحيح عايز بهلوانات؟"

حاول الممثل بشتى الطرق إقناع مدير السيرك – الذي هو صاحبه – بصديقه المضحك، شرح له موهبته و تلقائيته، و لكن مدير السيرك لم يقتنع، فمهنة البهلوان لا علاقة بها بخفة الدم و تحتاج الخبرة و التمرين، و لكن إلحاح الممثل للمدير جعلته يوافق أن يجربه و يشاهده و هو يحاول أمامه أن يقدم عرضه.

لم يكن المضحك بغبي، كان يعلم أن هذه المهنة ليست كتلك، و لهذا عمل واجبه على أكمل وجه، ذهب و حضر كل عروض البهلوانات الأخرى و سرق بعض من حركاتهم التي أعجبت الجمهور، و عندما قام بعرضه أمام مدير السيرك إنبهر هذا الثاني و خصوصا أن المضحك قال له أنه مستعد أن يعمل بأجر زهيد و أنه على أتم الإستعداد أن يعمل لأول شهر بدون أجر تماما، مما أغرى مدير السيرك و وافق على تعيينه ليكن تحت الإختبار.

سعد الممثل جدا بصديقه، و كان واثقا أن صديقه سيتذكر هذا له، و أن هذا سيرجهم أصدقاء ربما أكثر من الأول و خصوصا أنهم سيعملان سويا في نفس المكان، و سريعا إشترك البهلوان الجديد مع صديقه الممثل في شقته على أن يدفع نصف الإيجار و لكن بعد ما "ربنا يفرجها"، و كان الممثل سعيدا جدا أن صديقه القديم سيونس وحدته، و ظل يساعده في تمريناته و يحكي له عن كل قصصه حتى و هو علي علم أن صديقه يسمعه بنصف أذن و لا يبالي كثيرا بقصصه و كان يسرح كثيرا في وسط هذه الحكاوي التي لا تهمه.

حكى له الممثل عن الفتاة التي تمشي على الحبل، كيف هو منجذب لها، كيف يظن أنها تنظر له بإعجاب، أكد له أن هذه الفتاة هي التي كتبها الرب له، و لهذا كتب له الرب أن يتعلم البانتومايم و ليعمل في ذلك السيرك، ليراها هناك، و لكن بعد أن أنهى حكايته إكتشف أن صديقه سرحان في حركة جديدة يحاول إتقانها و هنا سأله صديقه المضحك عن رأيه في الحركة، و لكنها لم تعجب الممثل و قال له "ماتجرب تمثل إنك مت؟" فوجيء البهلوان بهذه التفصيلة الغريبة، و لكن الممثل شرح له الفكرة، و قال له أنه سيساعده فيها، سيمثل البهلوان أنه مات، و يحاول الممثل إفاقته، و كلما يعطي له ظهره يقوم البهلوان بحركات مضحكة، و عندما ينظر له مجددا يكمل تمثيله و هكذا، و لمعت عينا البهلوان، و قال له أنهم يجب أن يتدربوا على هذه الحركة بأسرع وقت.

تدربوا جيدا علي الحركة، و في يوم العرض كان البهلوان خائف و لكن الممثل طمئنه و أكد له أن الجمهور سيحبه، و أنه سيتذمر في يوم من كثرة حب الجمهور له، و أخذ يحكي له عن مستقبل باهر ينتظره كأفضل و أشهر بهلوان، كلامه طمئن البهلوان فعلا و إعطاه الحماس اللازم لإبهار الجمهور، و عندما بدآ أول حركاتهم لم يضحك الجمهور، لم يفهم الدعابة في البداية، مما أقلق البهلوان و لكن الممثل أهمس له في أذنه "أول ما ألف إديني على قفايا" و قام البهلوان بهذا فعلا، ليقنتص أول ضحكة من الجمهور، و كانت أول ضحكة السبب وراء إنهيار الجسر الذي كان يحبس ضحكات الجمهور التي توالت كفيضان قبل أن يبدأون بتصفيق عالي هز أركان المسرح، فوقف البهلوان و أعطى الممثل على قفاه مرة أخرى و هو يحيي الجمهور، و لكن الممثل نظر للبهلوان بخوف. و لكنه لم يكن يدري سبب واضح لخوفه وقتها.

كان الزمن أسرع منهم، لم يعلم الممثل كيف و متى زادت شهرة العرض لهذه الدرجة، ذهب للمسرح في يوم ليجد الطوابير أمام شباك التذاكر الذي كان بيتا للعنكبوت و كان موظفه ينام فيه بين مهنتيه الأخرتان، و كانت لوحة دعاية عرض البهلوان الميت تكبر كل يوم، كانت تكبر مع صورة البهلوان، و كل يوم يمر تصغر صورته فيها، لم يعلق و لم يتكلم مع أحد.

لم يدرى متى أصبح المدير و البهلوان أصدقاء، متى أصبح يدعي البهلوان علي عيد ميلاد بنته و ينساه، أو يتجاهله، هل كان هذا لأنه يجد البهلوان دائما يمتدح المدير و يقول له كيف أن نجاح العرض هذا بسبب تنظيمه و ذكائه الدعائي؟ و لكنه يعلم أن صديقه البهلوان ليس مرائي أو منافق و لا "مصلحجي" كما بدأ البعض من الزملاء بالتلسين عليه، فهو ليس مثلهم، هو يعلمه جيدا.

عندما دخل البهلوان على فتاة الحبل قبل عرضها غرفتها لم يدخل ليمتدح عرضها كما كان يدعي، لأنه لم يشاهده من قبل بإهتمام كما كان يحكي لها، و لكن كان هذا مفتاح الكلام الذي يريد أن يقوله بين السطور، و هنا بدأت هي في إمتداح عرضه أيضا، و خفة دمه، و خصوصا الأفكار التي خلف الدعابات، حكى لها عن سهر الليالي الذي يسهره ليأتي بهذه الأفكار، و بدأ بسرد قصة حياته لها، قصة حياته كما يراها هو، و يضحكها طوال كلامه، كان يريد أن يوصل لها معلومات معينة، معلومات عن كفاحة و عصاميته، كان يبهرها، كان يريد أن يقول لها بكل هذا الكلام أنه يريد أن يتقرب منها، خصوصا عندما جلس مقتربا منها، فلم تبتعد هي، ثم صمتوا لثواني فباغتته، قالت له "إنت عارف إني بمشي على الحبل؟ طوالي؟ مابحبش اللف و الدوران؟" فلم يظهر مفاجئته و فاجئها هو بقوله "و مين قالك إني عايز ألففك، مش يمكن عايزك تقعي؟ و ألقفك أنا؟" إبتسمت له، إبتسامة ذات معنى.. أنها على وشك الوقوع في شباكه فعلا.

كان ممثل البانتومايم يقوم بعرضه الذي يمل منه هذا الجمهور العريض الذي أتى خصيصا لمشاهدة البهلوان، حتى إن كان يقوم به بضمير لا يوصف، و بعد أن قام بتحسينه أكثر من مرة، و لكنه كان يسمع صوت الجمهور و هو يتكلم، يسمع صوت بائع السجائر و الحلوى و هو يمر على الجمهور و يعرض بضاعته بصوت عالى، كان يجد أحدهم نائم هنا أو هناك، أو إثنين من الأحباء يداعبان بعضهم على إستحياء، و لم ينزعج، كان يعلم أنهم في يوم سيقدرون، كان على يقين بذلك، و لكن ما صعقه، هم هؤلاء الأحبة، يداعبان بعضهم بقليل من السرية، ما صعقه كون الأحبة هم فتاة الحبل و البهلوان، كان يلف يده حول وسطها و هي تأكله بعض الفشار في فمه، لا ينظرون له، و لكنه كان يتابعهم، بدموعه و حركاته التي أحس لأول مرة أنها بدون معنى، ما معنى أن تتخيل ما ليس موجودا؟ أن تتلمس حوائط و أجسام غير مرئية أو موجودة، لماذا يحس بها إذا؟ أم هذه هي شخصيته؟ الإحساس بما يصنعه تخيله و ما لم و لن يكن؟

أنهى الممثل فقرته في منتصف

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

التالي