المرسيدس السمرا (قصة قصيرة)

كتبهاعمرو سلامة ، في 24 أبريل 2009 الساعة: 03:44 ص

ظل يفكر طوال عمره عن النجاح.. ظل يتأمل.. و يسأل و يسمع من كل من سبقوه.. من هو الناجح؟ من هو المحترم؟ من هو الغني؟

هل الغني من معه مليون؟ مليونان؟ مليار؟

كان يكره هذا الشخص العفن المسمى بعبده السكران.. أباه.. كان يكره إنه إبن هذا الشخص المقزز.. ليصبح إسمه و سبته مصطلح واحد.. "إبن السكران".. لكم أحزنه أن يقال له "روح يا إبن السكران تعالى يا إبن السكران"

ما أحزنه أكثر هو أن صديق له – و هو صديقه منذ عدة سنوات – سأله "هو إسمك إنت إيه؟ و لا إنت إسمك في شهادة الميلاد إبن السكران".

كان يعلم أن صديقه لا يقصد جرحه.. و إنه في سن الخامسة عشر لم تكن نيته سيئة.. و لكنه أخذ يومها قراره الأول.. أنه سيكون ناجح.. و مشهور.. بإسمه هو.. ليس بصفة والده.

و لكنه لم يكن وصل بعد لتعريف النجاح؟ من هو الناجح؟ سؤال يجب أن يحدد..

و في يوم ما في حارته البسيطة في حارة القيشاني في البحيرة حدث حادث غريب عن تقاليد الأيام العادية.. دخلت الحارة سيارة.. ليست سيارة نصف نقل أو نقل.. أو سيارة إيطالية رخيصة من الذين يمرون بين الحين و الآخر.. كانت من نوع (مرسيدس).. و يتذكر جيدا أنها كانت سوداء.. و يتذكر النظارة الشمس الريبان التي كان يرتديها قائد السيارة.. الذي كان يظهر من شباك سيارته كرشه أكثر من وجهه.

ما يتذكره جيدا – بالتصوير البطيء – هو كيف صمتت الحارة.. كيف نظر الجميع للسيارة كإنهم ينظرون لإمرأة من حور العين تسير بدون ثياب.. كيف توقف صاحب القهوة عن التشييش.. كيف توقف المكوجي عن الكوي و فمه مليء بالماء مما نفخ خديه.. كيف توقف الميكانيكي عن ضربه لصبيه.. كيف توقف صبي الميكانيكي عن محاولات الهرب.. كيف توقفت المباراة في تليفزيون القهوة عالي الصوت و إنقطع الإرسال..

كان هذا في السبعينات.. كان هو في العشرينات من عمره.. و كانت هذه الذكرى كبرج طويل شامخ في مدينة ذكرياته وسط بنايات صغيرة متواضعة.. يتذكر نظرات الحارة.. النظرات التي كان فيها مزيج من الإنبهار و الرهبة و الخوف و الطمع و الحقد.. يتذكر أيضا أن اللعاب نزل من فم أحد المارة.. لا يدري إن كانت ذكرياته أضافت بعض التفاصيل لتضخيم و تعظيم الموقف أكثر مما كان فعلا.. و هل خياله إتحد مع ذكرياته لجعل هذا الموقف أهم صورة في ذاكرته؟ أهم من يوم فرحه و من يوم موت أمه و من يوم حادث الموت الذي النجى منه على الطريق الصحراوي، حتى أهم من مشاهد تحرير سيناء و تهدم خط بارليف التي يذيعونها في أي عيد قومي.

عندما وقفت السيارة.. توقف التصوير البطيء و تبدل بتصوير سريع.. لأطفال الحارة و هم يحاولون إحتلال السيارة و القفز عليها.. و من أولاد الحلال الذين يحاولون فك هذا الإشتباك.. و من هؤلاء الملتمين بدون سبب يذكر.. و من صاحب القهوة الذي أتى بكرسي في سرعة البرق ليضعه و بجانبه الشيشة أمام باب السيارة – مع العلم أنك تنادي لهذا الرجل لأكثر من ساعة ليأتي لك بالسكر الذي يتناساه و يبرد الشاي بسبب ذلك و تشربه بمزاج عكر – لم يعلم إبن السكران سبب زيارة الرجل للحارة.. أتى الرجل بسيارته و غابا في بحر نصف ساعة.. نصف ساعة غيرت كل سنين حياته.

علم معنى النجاح يومها.. علم أن النجاح هو هذا الرجل.. بنظارته.. بكرشه.. بسيارته السمراء الكبيرة التي قال عنها الناس "التمساحة".. و علم أنه سيمتطي هذه التمساحة في يوم ما.. سيروضها.. و سيضرب بذيلها كل من يكرهه أو يذكره إنه إبن السكران.

كان ذكي.. كان يعلم ذلك.. كان متحمس ليخوض صعاب الحياة مهما كانت.. كان يهرب من السكران و من لقبه بكل سرعة.. كان يتذكر دائما كلام مدرسينه.. عندما كانوا يخبرون أمه – رحمها الله – أن "فاضل عبقري.. هو بس لو يركز" كان يتذكر كلام مدرس الدين الذي كان نفسه إمام جامع الحارة لأمه "خدوا بالكوا من الولد ده.. إضربوه كل يوم علشان تكسروه.. ذكي و عارف إنه ذكي.. و ديه كانت آفة إبليس.. إلحقوه لتلاقوه شيطان هياكلكوا قبل ما ياكل غيركم"

لم تضربه أمه قط.. و توقف أباه عن ضربه بعد أن ضربه هو في سن الخامسة عشر.. كان يعلم أنه سكران و ضعيف دائما فعندما حاول أن يضربه كعادته في هذا السن.. جمع قواه و ضرب أباه بقوة.. لقنه درسا.. و من وقتها لم يتشجع أباه أن يضربه مرة أخرى..

لم ينسى أمه التي ماتت بعدها بيومان.. قال له أبيه أن هذا عقاب الرب له.. و لكنه لم يصدق هذا.. كان متأكد أن هذا هو عقاب الرب لوالده.. ماتت أمه و هي تأذن له في أذنه و تطلب منه أن يقتل الشيطان الذي بداخله و تقول أنها راضية عليه حتى لو كان إبن الشيطان نفسه ثم تشاهدت و ماتت و هو في حضنها.. لم ينس ذلك.. و لكنه تمنى أن يوقظ أمه ليرد عليها و يقول لها أنه ليس بشيطان و لكن الشيخ و الناس هم الحملان و البعير و يخافون من أي فرد منهم يتمرد على وضعه..

و بسبب كرهه الرهيب لحياة والده أحب الدين.. أحبه عندما سمع عن تحريمه القاسي و الحازم للخمر.. و بدأ التدين و هو في سن العشرين.. و في سرعة البرق طالت لحيته.. و في سرعة البرق كان يصلي بالمصلين عندما يغيب شيخ الجامع.. قال البعض أنه يدعي التدين حتى يحبه كارهونه.. و حتى يهرب من سمعة والده.. من ذا الذي سيقول على الإمام إبن السكران.. و بدأ البعض يسألونه السؤال الذي أحبه جدا "هو إنت إسمك إيه؟" و كان يرد بكل فخر "فاضل".

لم يصدق الجميع تدينه.. خصوصا الغير متدينين الذي كان يصادقهم.. كيف يدعي التدين و هو من يومان كان يأتي بالفتيات ليقضون الليالي عنده في البيت أمام أعين والده التي لم تكن ترى غير زجاجة الخمر.. كيف و هو كان يتاجر بكل ما هو محرم.. كيف و هو كان يتلذذ بإيذاء كل من أهانه أو داس له على طرف.. بحنكة و صمت العقارب.

و لكن بسرعة إكتسب سمعة أكبر.. و فتح محل لعب أطفال مستوردة.. لم يعلم أهل الحارة مصدر المال و لكن البعض قال أنه جعل والده يبيع أرضه التي لم يرد أن يبيعها طوال عمره حتى مع إدمانه للخمر و فقره المدقع.. و قال البعض أنه أجبره على الإمضاء تحت تهديد السلاح و قال البعض أنه كسر زجاجة خمره و وضعها علي عنق والده.. و عندما سأله أحدهم عن هذه الواقعة ببجاحة إبتسم له و قال له "ربنا يهديك و يهدي اللي ألف الحدوتة ديه" حتى إنه إعطاه هدية محبة ليعطيها لإبنه.. أخذها الرجل و هو في قمة الخجل من نفسه و شكره بعد أن إعتذر له.

مع تدينه كان يحب الحكومة و كان يشكر في السادات كإنه والده الذي لم ينجبه و كان يمتدح الإنفتاح.. و كان يمتدح المعارضة أيضا.. و كان يحب الإخوان المسلمين.. و الشيوعين.. و الناصريين.. لم يسمع منه أحد كلمة كره واحدة.. و بدأ عدم التصديق لنواياه في التلاشي و الشك في إدعائه في الإختفاء يوما بعد يوم.

في يوم العيد فوجىء الجميع بالشيخ فاضل و هو يذبح عجل كبير جدا.. من أين له هذا؟ من اللعب الصينية الرخيصة؟.. و لكن لم يكن لديهم الوقت للتلسين بسبب إمتلاء أفواههم بلحمته.. و لا حتى بعد أكلهم بسبب إنتفاخ بطونهم بهذه اللحمة اللذيذة.

ظن البعض أنه يتاجر بالعملة.. و قال البعض بالحشيش.. و قال البعض أنه مهرب.. و قال البعض أن الإخوان يمدونه بالمال اللازم.

ترك الشيخ فاضل الحارة بعد سنتين.. و ذهب إلي القاهرة عاصمة العالم بالنسبة له.. و إشترى شقة في المهندسين و إفتتح "الآجنص" .. و سماه "معرض الإخوة".. قال البعض أن الإسم كان دليل أنه من الإخوان المسلمين..

كانت المفاجأة الحقيقة لكن من يعرفونه هي زواجه.. حيث أنه تزوج فتاة أرستقراطية و بنت عائلة مرموقة جدا.. و لكن الأغرب أن من يراها لا يمكن أن يربط بينها و بين الدين بأي شكل من الأشكال.. فهي فتاة متحررة تماما.. تدخن السجائر و هي جالسة أمامه في المعرض.. و هي ترتدي التنورة القصيرة التي تظهر رجليها بشكل واضح.. و شعرها أصفر مميز.. و كان الكل يستعجب أنها زوجة الشيخ فاضل الذي يصلي كل الصلوات جماعة مع المصلين.

لم يظن أحد أنها تزوجته للمال.. فشخصية فاضل كانت جذابة جدا.. فاضل مع إنه من من كانوا يسمون بالأغنياء الجدد.. و لكنه كان ذكي.. و إستطاع في سنوات قليلة تعلم الفرنسية و الإنجليزية.. و كان مثقف جدا و كثير القرائة.. و كان مغامر و نشيط.. و تظن دائما إنه شاب في العشرين حتى عندما كبر و تخطى الخمسين.. كان شكله و روحه جذابين جدا.. و خصوصا إحتفاظه بشعره الناعم القصير و عينيه الخضر الذين كانا ملائمين جدا لبشرته السمراء.

في يوم ما قالت له "إنجي" زوجته أنها حامل.. قالتها له في التليفون.. كان هو في المعرض.. المعرض الذي هو تحت عمارته.. فتسلق السلالم كالفهد و وصل لدوره العاشر في لمح البصر.. لم يكن ليتحمل السنين التي كان  سينتظرها لوصول الأسانسير.. و دخل عليها و حملها و وضعها على السرير.. و بأعين مليئة بالدموع المحبوسة.. فتح قلبه لها..

قال لها بدون تفكير أو تنظيم للكلام "إنت عارفة أصعب حاجة في الدنيا إيه؟.. إنك تبقى واحد ثاني مش نفسك.. عارفة أنا ليه بصلي و مربي ديه؟ - شاور على ذقنه – عارفة ليه حطيت القرش ع القرش؟ عارفة ليه ماكنتش بنام الليل بفكر في شغلي و تجارتي؟ عارفة ليه قريت عن الفلسفة و الإقتصاد و الحب و الطبيخ؟ عشان أبقى بني آدم ثاني.. عشان أبقى أب.. أب عايز إبنه مايكرهوش و يحب يبقى زيه.. عشان لو سأني أي سؤال ماقلوش معرفش.. عشان يحبني"

كانت إنجي تسأل نفسها كل يوم.. هل تحب فاضل أم لا.. هل هي مبهورة بنجاحه و عصاميته أم خجولة من أصله؟ هل تعلمه كنفسه أم إنه فعلا غامض و يخفي أكثر مما يظهر كما تقول عينيه.. و لكنها بعد هذه اللحظة تركت العنان لمشاعرها الجياشة تجاهه.. و أحبته أكثر.. و إحتضنته عندما بكى كطفل صغير.. عندما تخلى عن كل قوته في لحظة و أصبح هش كما لم يكن من قبل.. إحتضنته بين ذراعيها كأنه هو إبنها التي ستنجبه منه..

تعجب الناس بشده لتسمية فاضل لإبنه بإسم أبيه.. بعد كل كرهه لأباه؟.. بعد تجاهله لموت أبيه و إرسال العمال عنده لتولي كل مسائل الدفن و التعازي.. بعد أن تصنع أنه خارج البلاد حتى لا يتلقى أي عزاء.. و عندما كان يحاول أي شخص أن يعزيه عزاء متأخر كان يقول "لا يجوز العزاء بعد ثلاث أيام يا أخي.. إنت أخبار السوق ده معاك إيه؟".. سماه عبده.. حاولت إنجي التلميح بإسم آخر و لكنها لاحظت أن هذا الإسم له أهمية كبيرة لفاضل.. ظنت أنه ربما إعتذار منه لروح أبيه.. ربما..

في نفس يوم الولادة إقترب فاضل من إنجي و قال لها أنه أتى بسيارة مرسيدس آخر موديل سوداء.. مرسيدس الزلمكة الجديدة.. و إنه كان منتظر هذا اليوم ليشتريها.. لم تهتم هي.. و لكنها لاحظت سعادة بالغة عليه.. سعادة لم تفهمها.. عنده في المعرض سيارات أخرى.. ربما بعضهم أغلى من الزلمكة تلك.. ثم إنه لم يتاجر أو يشتري مرسيدس من قبل قط.. فلماذا هو فرح بهذا الشكل.. لو كان يحب المرسيدس كان إشتراها من قبل.. كلما تظن إنها تعلمه يباغتها بمواقف غريبة غير مفهومة.. و لكنها مواقف لا توحي بأي خطورة على أي حال.

تربى عبده تربية يحسده عليها أي طفل.. لم يكن مدلل.. و لم يكن أيضا متجاهل من والديه.. كان يحظى بالإهتمام المعقول.. كان يربيه فاضل بحنكة.. أدخله مدارس أمريكية و لكنه لم يعطيه الكثير من المصروف.. و لم يشتري له سيارة أو يعطيه واحدة من الأجنص عندما طلب هو منه ذلك.. كان لا يداعبه عندما يبكي.. كان يتركه و لكنه كان يكافئه عند توقفه للبكاء.. كان يكلمه أسبوع بالعربية و إسبوع بالإنجليزية و إسبوع بالفرنسية.. ذهب به لنادي الجزيرة و جعله يجرب جميع الألعاب حتي أحب عبده الإسكواش و إحترفه.. في العاشرة من عمره جلس معه فاضل.. و قال له "تعرف يعني إيه سجاير يا عبده؟" قال عبده في خوف "أيوة اللي ماما بتشربها" إبتسم فاضل و سأله "تعرف يعني إيه حشيش؟" قال له عبده "لأ" قال له "تعرف يعني إيه خمرة؟" قال له عبده "اللي بيشربوها في رأفت الهجان اللي شبه عصير التفاح" إبتسم فاضل و سأله "تحب تجربهم؟" لم يعرف عبده إجابه و لكنه أحس أن والده يريده أن يجيب بالتأكيد فقال "آه" أخرج فاضل سيجارة و أعطاها لعبده و قال له أن يسحب نفس.. فعل هذا عبده و كح بشدة.. فصرخ الأب "مرة كمان" فكح عبده أكثر فصرخ الأب مجددا "إسترجل" فكح عبده بشدة و بدأت عينيه بالإحمرار.. دخلت الأم و لم تفهم و حاولت الإعتراض و لكن فاضل إستوقفها بحزم ثم أشعل لعبده سجارة حشيش و فعل معه المثل.. و لم يوقفه بكاء عبده الذي أصبح عالي الصوت.. ثم إعطاه كوب من الويسكي و قال له بصوت عال إشرب.. شرب الإبن بخوف وسط تعجب الأم الرهيب و عندما تجرع بعض الويسكي تقيأ الطفل بقوه و هنا لم تحتمل الأم و هرعت لتنقذه و أخذته و دخلت به غرفته.. و هنا بدأت تخاف من هذا الشخص.. زوجها..

في الليل دخل فاضل على عبده و لاحظ أنه مازال يبكي.. و هنا حكى له عن حكايته مع والده و حكاية كفاحه و قال له أن أهم آفة هي السجائر و المخدرات و الخمر و أنه فعل ذلك ليكرهه فيهم منذ الصغر.. قبله و غادر الغرفة.

عندما كبر عبده لم ينسى هذا الموقف.. لم ينسى أي من مواقف أبيه معه.. كان يحكي عن والده بفخر.. كان والده مثله الأعلى في الحياة بدون منافس.. و في جامعته الأمريكية كتب مسرحية و أخرجها.. مع إن إختصاصه الهندسة و لكن هوايته كانت المسرح.. و أسمى المسرحية "أبي العزيز" و عندما عرضها عزم والده الذي لم يكن يعلم عن موضوع إهتمام إبنه بالمسرح شيء.. و وجد أن إبنه كتب مسرحية عن حكاية والده مع والده السكير.. و بكي من أول المسرحية لآخرها.. و خصوصا عندما وجد الشخصية التي تلعب حياته تبكي علي موت والدها.. مما لم يفعله هو قط.

بعد تخرج عبده.. أخذ دبلومة مهمة في التسويق.. و ظن فاضل أنه سيعمل في شركة مهمة.. و إستخدم معارفه ليأتي له بمهنة مرموقة و لكن عبده لم يوافق أبدا بأي من هذه العروض.. حتى بعد إنتهائه من كل دراساته.. و في يوم عندما نزل فاضل المعرض لم يصدق عيناه عندما دخل ليجد مكتب جديد موضوع و يجلس عليه عبده مبتسما.. مكتب مكتوب عليه إسمه "عبده فاضل عبده – مدير التسويق".. كان يجلس عبده على المكتب مبتسما و لكن الأب لم يبتسم و أخذ عبده معه في جوله في سيارته المرسيدس و قال له أنه لا يريده أن يكون تاجر سيارات و يريده أن يكون أكثر من ذلك.. وزير.. رجل أعمال.. أي شيء مهم.. و لكن عبده قال له أن سعادته في هذه التجارة و أنه سيأخذها فعلا إلي مجال أكبر و أنه يحلم أن يأخذ توكيل مهم و بدأ في شرح خططه للتوسع في التجارة..تكلم كلام كبير.. كلام أبهر الأب فعلا.. سرت قشعريرة في بدنه.. ها هو إبنه يصل للنقطة التي كان يحلم بها.. ربما أكثر.. بكثير.. و هنا إبتسم الأب و قال له أنه أخيرا سيعطيه أي سيارة يريدها من الآجنص و لكن الإبن قال له أن يختار هو أي سيارة لأنه يريد هذه المرسيدس السوداء.. يريد أن يركبها بعده. و لكن فاضل تحجج بأنها قديمة و لا تناسب شبابه و لكن عبده أصر و هنا إنفجر الأب في غضب "قلت لأ.. شوف أي عربية ثانية.. حتى لو أشتريلك واحدة ثانية أغلى" و هنا صمت الإبن.. لم يفهم.. و لكنه لم يتجرأ أن يسأل سؤال آخر..

عندما رجعا إلي المحل وجدا سيارتان كبيرتين و سيارة شرطة و بعض الأشخاص الذين من الواضح عليهم أنهم أفراد أمن.. نزل فاضل و عبده و أقترب أحدهم من فاضل و قال بلغة باردة كبرود الإسكيمو "إنت هتتفضل معانا" ذهب معه الأب في صمت و حاول طمئنة عبده" خش جوه خلي بالك من المعرض لحد ما أرجع" لم يفهم وقتها عبده شيء.

في حجزه في السجن المؤقت قبل المحاكمة أتى الصول لفاضل يقول له إن هناك زيارة من إبنه.. ذهب فاضل و جلس أمام إبنه "مش قتلتك ماتزرنيش لحد ما آخد برائة" بعد صمت و نظرات ثاقبة من عبده لأبيه قال له فاضل بحزم "إنت بتبصلي كده ليه إوعي تكون مصدقهم؟" و هنا رد عبده "أنا مصدقتهمش.. بس أنا مش قادر أكدب كل الناس اللي رحت قابلتهم في البحيرة.. مش قادر أكدب كل الي إشتغلوا معاك و قالولي على تاريخك.. ليه لما حكيتلي قصة كفاحك ما حكيتليش علي العملة و الحشيش و الناس اللي كنت بتسلفهم بفوايد قطمت وسطهم و الناس اللي قطعت عيشها و الناس اللي موتها من الجوع و على أبوك اللي مادفنتوش و …." إستوقفه فاضل و وقف و تكلم و هو واقف بطريقة مسرحية "مش هييجي اليوم اللي تقعد تحاسبني فيه.. أنا ماعملتش حاجة غلط.. أنا لو كنت عملت حاجة ضد قانون حطه الحرامية مابقاش حرامي.. و أنا مش هحرم اللي شيوخنا حللوه.. أنا مش نبي أو رسول عشان أأكل الناس و أجوع أنا و مراتي و إبني.. اللي قد السوق يخشوا و اللي مش قده ياكل عيش باللي يقدر عليه.. أبويا ماعمليش واحد على مليون من الي عملتهولك.. أنا ماحكتلكش عشان كنت صغير مش هتفهم و دلوقتي لما كبرت قاعد عملي فيها ربنا و جاي تحاسبني؟ غور.. غور إمشي.. إعرف غلطك عشان لما أروح البيت تتأسف و تبوس رجلي"

غادر فاضل لغرفته.. دخلها و بكى.. بكاء أكثر من بكائه عندما علم إخطار وصول إبنه.. إبنه الذي من كثر محبته له لم يأتي له بأخ أو أخت حتى لا يضطر لتقسيم حبه له.. بكى حتى سمع جميع زملاء السجن بكائه.

غادر عبده.. خرج و ركب سيارة أبيه المرسيدس.. أبيه الذي لم يكن يعلمه طوال هذه السنين.. بكى.. بكى كمن إكتشف عدم وجود خالقه الذي أحبه.. بكى حتى إنعدمت الرؤيا في عينيه بسبب الدموع.

في المحاكمة لم يرى فاضل أحد من أسرته.. ظن أنهم مازالوا مصدومين.. وعده المحامي بالبرائة من كل التهم و صدق وعده.. قال له أنه إستغل كل شخص من الممكن أن يقبل الرشوة في هذه البلاد و أن تعدادهم أكثر من تعداد سكان البلد نفسهم.. و إنه إستخدم كل الحيل القانونية.. خرج فاضل غير سعيد ببرائة المحكمة و لكن منتظر حكم برائة آخر من إبنه.. خرج و أخذه المحامي للمقابر بدلا من أن يوصله بيته.. لم يفهم فاضل سبب ذلك.. و لكن المحامي قال له "هتفهم لما توصل" و إقتربا من قبره.. قبر عائلته الذي دفن فيه أبيه.. و هنا نظر للمحامي.. الذي بدأ كلامه "مدام إنجي حلفتني ماقلكش و ماخليكش تعرف لحد ما تطلع.. مدام إنجي طالبة الطلاق بس أنا متأكد إنها في حالة مش متزنة بعد كل الي حصل" نظر له فاضل و بكل جأش سأله "إزاي؟" رد المحامي "و هو خارج من عندك في السجن حصلت الحادثة و مدام إنجي صممت يتدفن مع والدك هنا" و بكل جأش و بدون دموع أو أي رد فعل واضح سأله فاضل "العربية فين؟"

أمام السيارة التي أصبحت خردة لا تستطيع تحديد معالمها وقف فاضل أمامها يتأملها.. يتأملها بدون أي رد فعل.. ظل المحامي ناظرا إليه يحاول قرائة مشاعره و هنا باغته فاضل بسؤال غريب "معاك سجارة؟" لم يكن فاضل مدخنا عمره.. و لكن المحامي إعطاه سجارة.. أخرج فاضل بعض المال و سأله "معاك ولاعة؟" إعطاه المحامي ولاعة و هنا أشعل فاضل النار بأوراقه المالية.. و ظل ينظر لها و أشعل بها سجارته و نظر للمحامي "إنت عارف إني طول عمري بشرب سجاير و عمري ما قتل لحد؟" لم يرد المحامي الذي ظن أن الرجل جن.. و هنا إقترب فاضل من السيارة و رمى فيها الورق المالي الذي مازال يحترق.. و نظر إلى السماء و هو يشرب سجارته في هدوء و بدأت بعض الأمطار في الهطول.. وقعت أول قطرة على عين فاضل اليمني.. لتكون دمعة وضعتها السماء على عينه بدلا من دموعه التي لا تريد أن تخرج..

أو ربما كان وراء هذه القطرة رسالة أخرى من السماء لا يستطيع فاضل بعد إستقابلها بوضوح.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : أفكار و خواطر شخصية | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “المرسيدس السمرا (قصة قصيرة)”

  1. I love it bgad awiii..



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر