البهلوان.
كتبهاعمرو سلامة ، في 4 مايو 2009 الساعة: 16:58 م
البهلوان الميت.
في وقت لم يكن و في مكان لم يوجد حدثت هذه الأحدات التي لم تحدث… ليس كما هي.
لم يكن أحد في التاريخ قار على إستخلاص الضحكات من أفواه البشر مثله، حتى أن البعض يكاد يجزم أن الكلاب و القطط تضحك من نكاته و حركاته التي تظن أنها محسوبة من خبير رياضي و فيسيولوجي حتى يكون لها قمة التأثير على خلايا العقل المسببة لفعل اضحك.
يقول نكاته و حركاته و هو جاهم الوجه، معقد الحاجبين، لاويا الجزء الأعلى الأيسر من شفتاه، و بمجرد أن يطمئن أن الجميع دخل في نوبة الضحك يبتسم إبتسامة بسيطة محاولا فيها لإغلاق فمه، فهو لا يضحك بصوت عالي، لا يضحك لأكثر من عدة ثواني، لا يوجد هناك ما يضحكه و يفاجئه.
كان يحبه جميع مرتادي هذه القهوة التي تقع في حارته، كان جميع الرجال ينتظرون هذا الوقت من اليوم الذين يذهبون فيه للقهوة لشرب المعسل و السماع لهذا المضحك الذي يسرد حكاويه اليومية المضحكة قبل أن "يستلم" أحد روادي القهوة و يبدأ بالسخرية منه، من شكله، من طريقة كلامة، من أسراره التي يعلمها الجميع.
حتى أن البعض كان يأتي من حارات أخرى للجلوس في هذه القهوة لإختلاس السمع و الضحك، بالرغم أن مشاريب القهوة لها طعم أسوأ من طعم الدواء و شيشتها تجعلك تشعر كإنك تسحب أنفاسك من شكمان سيارة قديمة قاربت على التهالك التام.
كان للمضحك صديق قديم، كان هذا الصديق يحبه جدا و يكن له بولاء كبير، حتى و إن كان دائما الخامة الخصبة لسخريته، كانا يدرسان سويا طوال عمرهما، و كان الصديق يذاكر له، يحل له واجباته، و يغششه في الإمتحانات، عندما كانا يلعبان الكرة و يأتي الدور علي المضحك ليقف حارس مرمى كان يقف الصديق مكانه، عندما كان المضحك يتجاهل إحدى حبيباته القدامى كان الصديق هو من يقنعها أن المضحك تركها لأهم الأسباب و أنه ضحى بقلبه و حبه لمصلحتها، بينما كان يتركهم المضحك ببساطة لأنه وجد من هي أجمل أو أغنى أو ببساطة أجدد.
لم يكن الصديق يحزن عندما كان يرى الإنبهار في أعين الفتيات متجهه لصديقه المضحك، كان يعلم أنه يتفوقه في كل شيء، فما الذي به ليكون مبهر لأي أحد؟ إنه بدين بعض الشيء، شعره أجعد، قليل الثقة في نفسه الى حد يلحظه أي كفيف، يكفي أن تسمع كلامه لتلاحظ بطئه في ردوده أو تلعثمه في كلماته عندما يحاول أن يدافع عن نفسه خصوصا أمام سخريات المضحك الثقيلة له.
كبر الإثنان، عمل المضحك كتاجر كما يقول عن نفسه، أو بالأصح كبائع، أو للدقة كمندوب مبيعات كما لا يحب أن يقول عن نفسه، كان يجوب الشوارع بهذه البضائع الرخيصة، يحاول إقناع هذا و ذاك أن الذي يحمله معه هو إكتشاف علمي مذهل و نادر و نفيس و سعره "لقطة" و "مش هتلاقيه في حتة غير عندنا" و كل هذا الكلام، كان يبيع الكثير عن أصدقائه بسبب خفة دمه و لباقته، و لكن في النهاية لم يكن يجني ما يكفي لسداد ديونه لصاحب القهوة الذي كان يتجاهل حسابه لأنه يعتبره نجمه المجذب لمعظم روادي القهوة و يعلم أنه إن غادر سيضطر لتحسين جودة مشاريبه مما سيجعله يخسر الجلد و السقط.
غادر الصديق الحارة منذ زمن، ألمه كثيرا أن المضحك لم يكلمه و لو مرة ليسأل عليه، و لم يرد على مكالماته اللحوحة، و عندما كان يذهب له ليجلس معه في القهوة كان يعامله بفتور كإنه يحاول التبرأ من صداقته، فقطع إتصاله به عندما أحس أنه سيكون عبئ عليه، و مر على هذا بعض السنين.
في يوم حزين للمضحك ذهب لعمله ليجد أن الشركة التي يسوق منتجاتها أفلست، و أنه الآن بدون عمل، بدون شيء ليسوقه، و كان يعلم صعوبة الحصول على عمل في هذا الزمن، و كان في حالة مزاجية سيئة جدا، و يعلم أنه إذا رجع الحارة سيكون المطلوب منه إضحاك أفواه تنتظر دعاباته، فقرر العودة لبيته في وقت متأخر بعد أن تخلى القهوة من روادها فلا يقابلهم و هو متجه لباب بيته.
إشترى علبة سجائر مستوردة بمنطق "ما هي بايظة بايظة" و ظل يدخن الواحدة بعد الأخرى و هو يتمشى على النيل، و معدل إكتئابه يعلوا مع كل خطوة يسيرها بلا هدف.
توقف و نظر للسيرك، المكان الذي لم يدخله في حياته قط، هل هناك ما يمكن أن يزيل إكتئابه في هذا المكان؟ قرر أن يتجاهله، و لكن شيء ما أثار إنتباهه، صورة ممثل البانتومايم الموضوعة أمام السيرك، إنه يشبه صديقه القديم جدا، ربما إنه هو، نعم، هذا هو إسمه بالفعل، إشترى تذكرة بما تبقى له من مال و دخل القاعة التي تكاد تكون خالية من الجمهور، بإستثناء بعض العائلات التي تحاول إبهاج أطفالهم، أو بعض الأحبة الذين وجدوا في السيرك مكان للتسامر أفضل من الكافيتريات التي لها حد أدنى من الطلبات.
لم يهتم بعرض الأسد أو الفتاة التي تسير على الحبل، حتى مع رشاقة جسمها و جاذبيتها و جمال وجهها، و بعدها خرج أحدهم، يعلن بأسى عن إلغاء فقرة البهلوان و أنه يوعد ببهلوان جديد في غضون أسبوع من يومه، و قدم الرجل للجمهور ممثل البانتومايم، و هنا أحبط الناس من عدم وجود البهلوان، و غادر معظمهم، و هنا خرج ممثل البانتومايم ليقوم بحركاته المبهرة، المبهرة لمن يهتم بمتابعتها، ظل المضحك ينظر له مبهور بما يفعله و لكن بدون أن يخلى وجهه من إبتسامة المفاجئة، أو السخرية، و لكنه صفق له مع المصفقين.
خرج لاعب البانتومايم من غرفته متجها الى الشارع بعد أن سلم على كل من يجده، و يسأله عن عرضه، و كان الكل يحمسه، و يقول له أن بدايته جيدة جدا و أن له مستقبل باهر، كان هذا يزيده من ثقته في نفسه و يفرحه، و يأكد له أن إختياره ليكون ممثل بانتومايم كان قرار صائب، و سيجد فيه التقدير الذي لم يحصل عليه من قبل، و في طريقه لمحطة الأتوبيس وجد صديقه المضحك، وجده يقترب منه و يسلم عليه بحرارة و يعنفه على عدم إتصاله به من فتره، و عدم إطمئنانه على صحته و عدم تعزيته عندما توفت والدته، و لكن ممثل البنتومايم حاول تذكيره بمكالماته له، و أنه كان بجانبه وقت الصلاة و الدفن و العزاء الخاص بوالدته و لكن المضحك لم يتذكر، و بعد بعض الكلام الذي لا وزن له، سأله في خبث، "هو السيرك صحيح عايز بهلوانات؟"
حاول الممثل بشتى الطرق إقناع مدير السيرك – الذي هو صاحبه – بصديقه المضحك، شرح له موهبته و تلقائيته، و لكن مدير السيرك لم يقتنع، فمهنة البهلوان لا علاقة بها بخفة الدم و تحتاج الخبرة و التمرين، و لكن إلحاح الممثل للمدير جعلته يوافق أن يجربه و يشاهده و هو يحاول أمامه أن يقدم عرضه.
لم يكن المضحك بغبي، كان يعلم أن هذه المهنة ليست كتلك، و لهذا عمل واجبه على أكمل وجه، ذهب و حضر كل عروض البهلوانات الأخرى و سرق بعض من حركاتهم التي أعجبت الجمهور، و عندما قام بعرضه أمام مدير السيرك إنبهر هذا الثاني و خصوصا أن المضحك قال له أنه مستعد أن يعمل بأجر زهيد و أنه على أتم الإستعداد أن يعمل لأول شهر بدون أجر تماما، مما أغرى مدير السيرك و وافق على تعيينه ليكن تحت الإختبار.
سعد الممثل جدا بصديقه، و كان واثقا أن صديقه سيتذكر هذا له، و أن هذا سيرجهم أصدقاء ربما أكثر من الأول و خصوصا أنهم سيعملان سويا في نفس المكان، و سريعا إشترك البهلوان الجديد مع صديقه الممثل في شقته على أن يدفع نصف الإيجار و لكن بعد ما "ربنا يفرجها"، و كان الممثل سعيدا جدا أن صديقه القديم سيونس وحدته، و ظل يساعده في تمريناته و يحكي له عن كل قصصه حتى و هو علي علم أن صديقه يسمعه بنصف أذن و لا يبالي كثيرا بقصصه و كان يسرح كثيرا في وسط هذه الحكاوي التي لا تهمه.
حكى له الممثل عن الفتاة التي تمشي على الحبل، كيف هو منجذب لها، كيف يظن أنها تنظر له بإعجاب، أكد له أن هذه الفتاة هي التي كتبها الرب له، و لهذا كتب له الرب أن يتعلم البانتومايم و ليعمل في ذلك السيرك، ليراها هناك، و لكن بعد أن أنهى حكايته إكتشف أن صديقه سرحان في حركة جديدة يحاول إتقانها و هنا سأله صديقه المضحك عن رأيه في الحركة، و لكنها لم تعجب الممثل و قال له "ماتجرب تمثل إنك مت؟" فوجيء البهلوان بهذه التفصيلة الغريبة، و لكن الممثل شرح له الفكرة، و قال له أنه سيساعده فيها، سيمثل البهلوان أنه مات، و يحاول الممثل إفاقته، و كلما يعطي له ظهره يقوم البهلوان بحركات مضحكة، و عندما ينظر له مجددا يكمل تمثيله و هكذا، و لمعت عينا البهلوان، و قال له أنهم يجب أن يتدربوا على هذه الحركة بأسرع وقت.
تدربوا جيدا علي الحركة، و في يوم العرض كان البهلوان خائف و لكن الممثل طمئنه و أكد له أن الجمهور سيحبه، و أنه سيتذمر في يوم من كثرة حب الجمهور له، و أخذ يحكي له عن مستقبل باهر ينتظره كأفضل و أشهر بهلوان، كلامه طمئن البهلوان فعلا و إعطاه الحماس اللازم لإبهار الجمهور، و عندما بدآ أول حركاتهم لم يضحك الجمهور، لم يفهم الدعابة في البداية، مما أقلق البهلوان و لكن الممثل أهمس له في أذنه "أول ما ألف إديني على قفايا" و قام البهلوان بهذا فعلا، ليقنتص أول ضحكة من الجمهور، و كانت أول ضحكة السبب وراء إنهيار الجسر الذي كان يحبس ضحكات الجمهور التي توالت كفيضان قبل أن يبدأون بتصفيق عالي هز أركان المسرح، فوقف البهلوان و أعطى الممثل على قفاه مرة أخرى و هو يحيي الجمهور، و لكن الممثل نظر للبهلوان بخوف. و لكنه لم يكن يدري سبب واضح لخوفه وقتها.
كان الزمن أسرع منهم، لم يعلم الممثل كيف و متى زادت شهرة العرض لهذه الدرجة، ذهب للمسرح في يوم ليجد الطوابير أمام شباك التذاكر الذي كان بيتا للعنكبوت و كان موظفه ينام فيه بين مهنتيه الأخرتان، و كانت لوحة دعاية عرض البهلوان الميت تكبر كل يوم، كانت تكبر مع صورة البهلوان، و كل يوم يمر تصغر صورته فيها، لم يعلق و لم يتكلم مع أحد.
لم يدرى متى أصبح المدير و البهلوان أصدقاء، متى أصبح يدعي البهلوان علي عيد ميلاد بنته و ينساه، أو يتجاهله، هل كان هذا لأنه يجد البهلوان دائما يمتدح المدير و يقول له كيف أن نجاح العرض هذا بسبب تنظيمه و ذكائه الدعائي؟ و لكنه يعلم أن صديقه البهلوان ليس مرائي أو منافق و لا "مصلحجي" كما بدأ البعض من الزملاء بالتلسين عليه، فهو ليس مثلهم، هو يعلمه جيدا.
عندما دخل البهلوان على فتاة الحبل قبل عرضها غرفتها لم يدخل ليمتدح عرضها كما كان يدعي، لأنه لم يشاهده من قبل بإهتمام كما كان يحكي لها، و لكن كان هذا مفتاح الكلام الذي يريد أن يقوله بين السطور، و هنا بدأت هي في إمتداح عرضه أيضا، و خفة دمه، و خصوصا الأفكار التي خلف الدعابات، حكى لها عن سهر الليالي الذي يسهره ليأتي بهذه الأفكار، و بدأ بسرد قصة حياته لها، قصة حياته كما يراها هو، و يضحكها طوال كلامه، كان يريد أن يوصل لها معلومات معينة، معلومات عن كفاحة و عصاميته، كان يبهرها، كان يريد أن يقول لها بكل هذا الكلام أنه يريد أن يتقرب منها، خصوصا عندما جلس مقتربا منها، فلم تبتعد هي، ثم صمتوا لثواني فباغتته، قالت له "إنت عارف إني بمشي على الحبل؟ طوالي؟ مابحبش اللف و الدوران؟" فلم يظهر مفاجئته و فاجئها هو بقوله "و مين قالك إني عايز ألففك، مش يمكن عايزك تقعي؟ و ألقفك أنا؟" إبتسمت له، إبتسامة ذات معنى.. أنها على وشك الوقوع في شباكه فعلا.
كان ممثل البانتومايم يقوم بعرضه الذي يمل منه هذا الجمهور العريض الذي أتى خصيصا لمشاهدة البهلوان، حتى إن كان يقوم به بضمير لا يوصف، و بعد أن قام بتحسينه أكثر من مرة، و لكنه كان يسمع صوت الجمهور و هو يتكلم، يسمع صوت بائع السجائر و الحلوى و هو يمر على الجمهور و يعرض بضاعته بصوت عالى، كان يجد أحدهم نائم هنا أو هناك، أو إثنين من الأحباء يداعبان بعضهم على إستحياء، و لم ينزعج، كان يعلم أنهم في يوم سيقدرون، كان على يقين بذلك، و لكن ما صعقه، هم هؤلاء الأحبة، يداعبان بعضهم بقليل من السرية، ما صعقه كون الأحبة هم فتاة الحبل و البهلوان، كان يلف يده حول وسطها و هي تأكله بعض الفشار في فمه، لا ينظرون له، و لكنه كان يتابعهم، بدموعه و حركاته التي أحس لأول مرة أنها بدون معنى، ما معنى أن تتخيل ما ليس موجودا؟ أن تتلمس حوائط و أجسام غير مرئية أو موجودة، لماذا يحس بها إذا؟ أم هذه هي شخصيته؟ الإحساس بما يصنعه تخيله و ما لم و لن يكن؟
أنهى الممثل فقرته في منتصفها، مما إستعجب له المقدم، و هرعت الفتاة لتغير ملابسها و تبدأ عرضها، و مرت أمامه فنظر لها، و نظرت له، سألته عن سبب إنهائه عرضه في وقت أقصر من وقته، رد عليها قائلا "الهوا مافهوش حاجة" فلم تفهم قصده، فتركته لتغير ملابسها.
غير ملابسه و هو قمة ألمه ليبدأ فقرة البهلوان، و يلعب دوره الدائم به، سنيد البهلوان، إنه لم يرتقي لمرتبة البهلوان، إنه ما يسخر منه البهلوان، البهلوان الذي يسخر منه البشر.
بدأت الفقرة، ظل يتأمل نفسه، لأول مرة أحس بأنه مجرد أداة، و لأول مرة أحس أنه مهان.
كان العرض رائع بحق، كان الناس يضحكون بشدة، و كان البهلوان في قمة تألقه و سعادته، و تلقى التحية الأخيرة بقمة فخره و نجاحه، و خرج الإثنان ليجدا مدير المسرح يستوقفهم، و واجه المدير البهلوان بخبر سمعه، سأله إن كان تعاقد مع سيرك آخر، و هنا بكل ثقة أجابه البهلوان أن هذا صحيح، فتعجب المدير كما تعجب الممثل، و سأله المدير "و العقد اللي بنا؟" فقال له البهلوان "العقد أبرموا و حطوا في أي حتة تعجبك، أو أقلك، حطوا في أي حتة في أخينا ده" و شاور للمثل الذي لم يكن مصدق ما يسمعه و ما يراه، و إتجه البهلوان لغرفته فدخل الممثل خلفه و سأله كيف يأخذ هذا القرار بدونه، فسأله البهلوان لماذا يأخذ رأيه و هو سيذهب وحيدا، و هنا حاول الممثل لأول مرة الإعتراض و قال له "بس العرض ده فكرتي" و هنا صعق البهلوان و تقرب له "إنت اللي بتقول كده؟ مش كفاية أخدتك و شهرتك معايا؟ كمان عايز تنسب الفكرة ليك؟" صعق الممثل و لكن البهلوان أكمل "هي ديه غلطتي، طول عمرك بتحقد عليا و على نجاحي بسبب فشلك، لدرجة إن كمان بيتهيقلك إنك سبب نجاحي، ناسي لما كنا قاعدين و طلعت أنا بالفكرة، و إنت إتحايلت عليا تطلع معايا فيها؟" و هنا بدأ الممثل بتذكر الحادثة، هل تخيل هو فعلا ما يعتقده كما يتخيل الحوائط الغير موجودة؟ لإن البهلوان يقول هذا الكلام بقمة الصدق، و تاه وسط ذكرياته التي بدأت بالتبدل و الإختلال، أم أن صديقه البهلوان وصل لحالة من التنكر جعلته تخيل ما يريح له ضميره؟
ترك البهلوان السيرك، كما تركه الممثل بعد أن قرر أن يترك مهنة البانتومايم، و قرر أن يعمل كنادل في أحد المطاعم، و بدأت حالة السيرك في التردي، و في يوم و فتاة الحبل تمشي عليه، سرحت، سرحت في البهلوان الذي لا يكلمها و لا يرد على مكالماتها له بعد أن ترك السيرك، و سرحت فيه و هو يداعبها و يبتسم لها، و هنا وقعت، لم تدري إن كانت أوقعت نفسها عن عمد أم كانت حادثة، وقعت و هي تتذكر كلماته "مش يمكن عايزك تقعي؟ و ألقفك أنا؟" و لكنه بالطبع لم يلقفها و لم تلقفها الشبكة الرديئة و وقعت علي الأرض الصلبة، و لم تشعر بألم، فقط بالسواد يغطي عيناها.
في المستشفى جلس جانبها الممثل الذي يحكي لها كيف أن صديقه البهلوان لم يأتي لها بسبب إنكسار قلبه و أنه كلمه و بكى له و ظل يبكي و سيظل يبكى و أنه لن يستطيع رؤيتها في هذه الحالة، و إعطاها باقة من الورود و قال لها إنها منه، إبتسمت هي و قالت له "جبتها بكام؟" فظل يحلف لها أنها من البهلوان و أراها خطه على البطاقة التي تقول لها، "سلامتك، بحبك" لم تصدقه و لكنها إصطنعت إنها تصدقه حتى يكف عن الحلفان الكاذب و إبتسمت له و طمئنته، و حاول هو التماسك و الإبتسام لها، ليهون عليها قبل أن يقول لها الأطباء الأخبار التي يعلمها هو و لايقدر على قولها، خرج و وقف جانب الغرفة و سمع الأطباء و هو يواجهونها بالحقيقة، حقيقة أنها لن تسير مجددا، لا علي الحبل و لا على الهواء، و لا على الأرض، لم تبكي هي، صمتت من الصدمة، عكس الممثل، لأنه ظل يبكي في طرقات المستشفى و ظل كل المارون يربتون عليه بشفقة و يقولون له "البقاء لله".
عاش البهلوان أحلى و أسرع أيام حياته، عاش بين عروضه، و بين الجمهور الذي أصبح يسبب له الإزعاج و لم يعد قادرا بسببه علي السير في الشارع أو الجلوس في مطعم بعد أن رآى الجمهور وجهه الحقيقي في التلفاز و الصحف، بدون المكياج الذي يضعه في عروضه، و أصبح ضيف دائم في كل البرامج الشهيرة، و على صفحات المجلات و هو يعانق الجميلات في كل الحفلات المهمة، أصبحت الدنيا أسرع منه، لم يكن يتذكر ما يفعله بالأمس، و لا يخطط للغد، يكاد يجزم أن إحساس النجاح أهم من الأكل و الشرب و الجنس، إلى أن قرر أن يكبر بموهبته، و هنا أنشأ مدينة البهلوان، ليس سيرك فقط، و لكن معها ملاهي و مسرح و سينمات و مركز تجاري يبيع كل الألعاب التي هي على شكله، ليصبح السواح و الزوار الأجانب و الأشقة العرب يزورونها قبل الأهرامات، ستصبح تذكرة عرض البهلوان الميت أغلى من المبيت في غرفة في فندق سبع نجوم، و لهذا قام هو ببناء أكبر مسرح في المنطقة ليستوعب أكبر عدد من الجمهور بعد أن أخذ قرض كبير بسهولة من أكبر البنوك.
و في يوم الإفتتاح الذي كانت تباع تذاكره في السوق السوداء، كان المسرح مليء علي آخره، كان يعلم أن عدد الجمهور سيكون عشرة أضعاف أي عدد وقف أمامه من قبل، و خرج لهم في قمة الثقة، و نظر لهم و هنا أحس بإحساس ما لأول مرة، فجأة إستوعب أن هذا الجمهور بشر، و هؤلاء البشر و حبهم له ما يبقيه غني و مهم و مشهور، و أن هذا الحب قد ينتهي، و هذا الإنبهار قد يختفي في أي وقت، و قد يملون منه في أي يوم، و قد يقررون بين ليلى و ضحاها أن دمه أصبح سم على قلبهم، و هنا خاف، لأول مرة يخف من الجمهور، بعد كل هذا النجاح، و في لحظة وجد نفسه ثابت، لا يقدر علي الحراك، يعرق، و بدأ بسماع صوت دقات قلبه، و بدأ البهلوانات المساعدين بحركاتهم، و هنا حاول أن يبدأ هو، و تدارك نفسه و أنهى العرض بمستوى متوسط، و سمع التصفيق المحبط، و كان في حالة من الإهتزاز النفسي يرثى لها.
كان خوفه على مسرحه الجديد كابوسه الجديد، ظل يحلم بهذا الكابوس يوميا، يحلم في يوم أن الجمهور لا يضحك، يحلم في يوم بعده أن الجمهور يسبه، و تطور الموضوع ليجد حجمه ضئيل جدا في الحلم و أن الجمهور عبارة عن أشخاص عمالقة كالغيلان ينظرون له بشر إلى أن يأخذه أحدهم و يبدأ بوضعه في فمه و أكله.
لم يعد قادرا على مواجهة الجمهور و ظل يأجل عروضه، إلى أن أتى له مديرأعماله و قال له أنه يجب أن يقدم عروضه، لأن عروضه هي التي تجذب الجمهور و تأتي بأكبر نسبة من الربح، و أن عليهم ديون للبنك إن لم يسددونها سيكونون في أزمة كبيرة، و هنا حدد الإثنان ميعاد العرض القادم، و لكن خوفه كان يتضخم كل يوم، و قبل يوم من العرض أتى له أسوأ حلم، كان الجمهور مكونا من مدير المسرح و فتاة الحبل و صديقه الممثل، كل منهم مستنسخ منه المئات، المئات من المدير و الفتاة و الممثل، موزعين ليملؤون القاعة، نسخ كثيرة من كل منهم، و عندما تكلم المدير تكلم كل المديرين معه ليقولون بصوت مجمع عملاق "يا نصاب" و تكلم كل الفتيات "يا كداب" و كل الممثلين "يا حرامي، ياللي سرقت أفكاري، هتموت، أنا هموتك، الجمهور هيموتك، ولا أقلك، أنا هحرقك، عينة من اللي هتشوفه في جهنم" و ظلا جميعا يضحكون في شماتة.
إستيقظ البهلوان على هاتفه الذي كان يرن بدون توقف، سمع صوت مدير أعماله و هو يصرخ "السيرك إتحرق، ولع، رحنا في داهية".
ذهب لبيت الممثل و هو برداء النوم، خبط على بابه إلى أن فتح له، و جده فلكمه و أمسك به "إنت السبب، حسدك و كرهك ليا هو السبب، و لا إنت أكيد عاملي عمل، ولا إنت اللي حرقتني؟ إتكلم.. أنا هوديك في داهية" لم يتكلم الممثل من فرط المفاجأة و هرعت فتاة الحبل لترى ما يحدث، خرجت من غرفة النوم، على كرسيها المتحرك، و هنا إنفجر البهلوان أكثر "إتجوزتوا؟ و لا مرافقاه؟ تتحرقوا بجاز، بس مالكوش دعوة بيا" تركهم و غادر، و هنا إقتربت الفتاة من الممثل زوجها، و داعبت شعره لتهون عليه ما حدث و هنا حاول أن يطمئنها مجددا "أنا كويس، كويس قوي".
أقنعه مدير أعماله أنه يجب أن يقوم بسلسلة من العروض المستمرة ليحصلون علي المال الكافي لتغطية ديونها و إنه لم يفعل ذلك سيكون عرضه القادم في بين قضبان السجن، ليقوم بعرضه وقتها أمام السجناء المكبوتين جنسيا، و أنه سيضطر أن يقوم لهم بعروض أخرى لم يتدرب عليها من قبل.
حاول البهلوان جاهدا السيطرة على مشاعره، حاول الصلاة و لم يشعر بالتحسن، حاول الطبيب النفسي فجن أكثر، حاول اليوجا، حاول أن يكلم نفسه ليهدئ من روعتها، و لكن الحلم لم يختفي، يأتيه صديقه الممثل في أحلامه ليحرقه مرة و يأكله مرة و يقتله مرة.
نصحه الدكتور النفسي أن يقوم بعرضه بدون جمهور، و أن يتخيلهم هو، حتى يجرب الوقفة في المسرح مجددا، و قال له أن يرتدي كما يرتدي و يضع مكياجه كالعادة و يمثل أمام الكراسي الخالية كإنها مليئة.
وضع البهلوان المكياج بنفسه و دخل المسرح و حاول القيام بالعرض، و نجح، قام بعرض مذهل أمام الكراسي الخالية، و أحس أن ثقته بنفسه رجعت له في لحظة، و لكن مفاجئة أخرى باغتته، عندما حاول أن ينزع المكياج، المكياج لم ينزع، بكل المحاليل و بالماء و بالجاز، و بشتى الطرق، لم ينزع، من المؤكد أن هناك من بدل المكياج المعتاد بمكياج آخر لا ينزع.
هلع و صرخ و حاول الجميع تهدئته، و لكنه لم يهدأ، ذهب للدكتور الذي أكد له أن نزع المكياج أصبح من المستحيل و رشح له أن يحاول التكيف على الحياة به و إعطاه نمرة طبيب نفسي صديقه.
سار في الشارع و الناس تضحك عليه، قاد سيارته ليوقفه كل ظباط المرور و لا يتركه أي منهم حتى يسمع الحكاية كاملة، حاول أن يخبئ وجهه و لكن ذلك لم يرحمه من تعليقات الناس و لا من تزقيل العيال له بالطوب.
رجع بيته ليجد محضر من الشرطة يطلب منه أن يذهب للقسم غدا ليأخذون بصماته، سأل عن السبب، و لكن المحضر لم يكن على علم بشيء فقط قال له "كل سنة و إنت طيب يا باشا".
دخل غرفته، و نظر لمرآة الدولاب، ليرى وجهه كبهلوان للأبد، و هنا مسك أول ما وجده و رماه على الزجاج، لينكسر، و يجد داخل الدولاب أشياء لا يتذكر متى وضعها في هذا المكان، أوعية بنزين كبيرة خاليه، ما الذي أتى بها هنا؟ هنا تذكر كل شيء في لمحة، أتت له ذكرى له و هو يحرق مدينته، ذكرى أخرى و هو يشترى المكياج الذي لن ينزع مع تحذيرات البائع له، و هنا صرخ "إنتم عايزين تجنوني، أنا ماعملتش كده، أنا محرقتش حاجة، مش أنا الحطيط المكياج" وقع علي الأرض و هو يصرخ.
فتح عيناه ليجد نفسه في المستشفى أمام مدير أعماله، و هنا واجهه مدير أعماله بالحقيقة المؤلمة، اليوم أول حفلة، إن لم يذهب، سيبيت اليوم في القسم، و لكن البهلوان طمئنه، و قال له أنه سيذهب، و أنه أصبح أحسن، فتعجب مدير أعماله، شكله لا يدل على قوله، و هنا قام البهلوان و قال له "ياللا بينا".
إرتدى بذلته، و نظر لنفسه في المرآة، و للحظة أتت له فكرة، "هل هذا البهلوان هو أنا الحقيقي، و شخصيتي القديمة هي الشخصية التي إصطنعتها؟ هل هذا هو وجهي الحقيقي و وجهي القديم هو الذي كان مكياج؟" سرح في هذه الفكرة إلى أن بدأ يسمع صوت الجمهور ينادي له.
دخل المسرح، و هو يسمع صوت قلبه فقط، لا صوت للجمهور و تصفيقه، لا صوت للهواء أو للموسيقى المصاحبة له، فقط صوت قلبه.
الجمهور يصفق أكثر، لقد إفتقدوه، و هذا أول عرض له بعد ما حدث لوجهه، و بعد أن أصبح ما حدث له خبر الساعة و لكن صوت قلبه بدأ يعلوا أكثر، و أكثر، إلى أن وقع على الأرض، فرح الجمهور.. ظنوها دعابته الشهيرة، و هنا بدأت الرؤيا عنده في التلاشي، و لكن قبل أن تتلاشى، توقف صوت قلبه، و لم يسمع وقتها شيء سوى صوت التصفيق الحار.
أعلى صوت صفيق سمعه في حياته.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : أفكار و خواطر شخصية | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























