الذكريات غير السعيدة لهاني سوسة

كتبهاعمرو سلامة ، في 16 مايو 2009 الساعة: 10:37 ص

محفورة هي ذكرياته عن مدرسته، منقوشة ببراعة على حوائط عقله الباطن و الواعي، لا ينساها و يستطيع إسترجاعها بسلاسة، رغم أنفه تقف أمامه الصور و الأصوات كلما حاول أن يتجاهلها، بكل ما إستطاع بذل أقصى مجهودة ليبعدها عن خياله، ليطرد هذه الطاقات السلبية من عقله و من قلبه، هذه الذكريات هي النواة الصغيرة التي دائما ما تتفجر لتحدث إنفجار ذري لكل مشاعر الكره و الظلم التي يكنها، بالرغم إنه إنسان طبيعي، بشوش، محب للمجتمع، غير متعكر المزاج، تراه دائما مازحا و ذو روح دعاية عالية و حس فكاهي جذاب، و لكن هذه الذكريات التي تأتي بدون دعوة أو ترحيب قادرة علي تعكير مزاجه.

يمر دائما أمام مدرسته و لا ينظر لها، لا يريد أن ينظر لسورها أو لحوائطها و لنوافذها، يعلم أن كل طوبة سيفتح شرخ في نفسه، يتوتر عندما يفعل، عندما تقف السيارات في زحمة المرور أمامها، يبدأ في التصبب في العرق، يضغط على الزر ليعلوا صوت المذياع، يغلق شبابيك السيارة، يحاول أن يغني مع أي أغنية، يدخن سيجارته، يفكر في أي حالة من الحالات التي يعالجها في عيادته الفخمة، يفكر في إبنته و كيف يحبها، حتى تسير سيارته، و يبتعد عن المدرسة القديمة، هنا يشعر كإنه كان يغرق و الآن فقط طفى فوق سطح البحر و تنفس من جديد، و يحاول أن يذكر نفسه أنه في المرة القادمة سيأخذ الطريق الأطول حتى لا يمر من هنا.

بالرغم أن عشرة سنين تقريبا مرت على كل هذه الأحداث و لكن هاني يتذكرها و يتذكر مشاعره وقتها، يتذكر جيدا هذه الليلة التي سبقت أول يوم في الدراسة، كانت ليلة متوترة غير مريحة، لم يستطع النوم يومها إلا نصف الساعة، مع إنه كان مستلقى على السرير من الساعة العاشرة مسائا، و لكنه لم ينم إلى أن وصلت السابعة صباحا، حاول أن يفكر في كل كلام أمه المهدئ، حاول  أن يتذكر أبيه المتوفى ربما يأخذ يده و يدخله حلما ليقابله فيه، ظل يناجي يسوع، يدعيه أن يسهل نومه و يساعده في غلق جفنة، كان عقله مشغول بهذه المدرسة الجديدة التي سيدخلها، مدرسة يعلم أنها ستختلف تماما عن هذه المدرسة الخاصة غالية المصاريف التي كان بها السنوات السابقة، جلست معه أمه، حاولت أن تمتدح المدرسة الجديدة، بأنها عريقة و أخرجت رجال  مهمين في المجتمع، و علمت أنها لن تستطيع خداعه طويلا فشرحت له ظروفهم بعد موت أبيه المفاجأ، شرحت له أنها لا تريد إهانة نفسها بطلب المساعدات من عمه أو من جده، و تفهم هو هذا بعقلانية و مسؤولية بالرغم من عدم تعديه سن الإثنى عشر سنة، أو على الأقل تظاهر بهذا، في الحقيقة هو لم يكن يعي الفرق بين المدرستين، و لأنه رآى عيناها تدمع فإبتسم و كان مستعد للموافقة علي أي شيء تقوله، حاول أن يربت على كتفها بنفس طريقة والده، فلاحظت هي ذكاء محاولته و إبتسمت.

بعدما إستيقظ تمنى لو لم يكن نام هذه النصف ساعة، شعر بالدوار و الصداع و الغثيان، أكل البيضة و لعق العسل ككل يوم، و أخذ معه تفاحته الخضراء التي تقشرها أمه له كل يوم، كان رفيعا يبدوا هزيلا و لكنه كان رياضيا، يحبه مدرب التنس في النادي، كان المدرب الرجل الذي أصبح بدل فاقد للأب في أعين هاني، لأنه ينظر له بحنان، لإنه مسيحي مثله، لإن أعينه خضراء تماما مثل والده.

توقفت سيارة أمه – الفيات ١٢٨ البيضاء – أمام المدرسة، نظرت للأطفال الداخلين معه، و نظر هو أيضا، تعجب من أشكالهم، أشكالهم تختلف تماما عن أصدقائه في مدرسته السابقة، و عددهم لا يحصى بالنسبة لعدد من كانوا معه، و إستعجب من عدم هندمتهم، و إن كل منهم يرتدي ملابس مختلفة عن زملائه، فلماذا تأنق هو إذن و ألتزم بالزي الموحد؟ لماذا إرتدى رابطة العنق – أم أستك – و لماذا كوت أمه قميصه و بنطاله في ربع ساعة و لماذا سرح شعره؟

و من قبل أن يرتجل من السيارة بدأ الشعور بالوحدة في التغلل داخله، و شعور آخر بالتغرب، علم أن هذا العالم لن يكون هينا، لن يرحب به، لن يشعر فيه بالألفة، و لم يكن متأكدا إن كان سيستطيع التكيف معه أم لا، هل سيستطيع أن يصادق أحد من هؤلاء الفتية الذين لا يشبهونه و لا يشبههم.

ودعته أمه ببرود مصطنع حتى لا تجعله يهول من الموقف، قالت له أنها ستكون هنا قبل ميعاد خروجه، فنزل من السيارة و هو يلاحظ أن كل زملائه ينظرون لها، و لشعرها الأصفر الذهبي، و لسيارتها التي هي بالنسبة لهم فخمة بما إنها سيارة في حد ذاتها، و لاحظ أحدهم ينظر له و يقول له بفم مفتوح ببلاهة "أمك مزة يالا"، نزلت عليه الكلمة كالصاعقة، هاهي أول رسالة ترحيب منهم له، ها هي أول جملة يسمعها من زملائه، فار دمه، لم يدري ماذا يفعل، و بينما هو مصعوق مما سمعه، و بينما هو يحاول ترجمة كلمة "مزة" التي لم يسمعها من قبل، وجد أن قائلها إختفى وسط الجموع، الجموع الممتدى على مرمى البصر، في حوش كبير مترب، إعتلى التراب مستوى الأرض، و أصبح يرى التراب يطفوا فوق الأرض بأمتار بسبب كثرة السائرين عليه، نظر لهذه الصورة المصفرة، و عطس من كثرة التراب، و دخل الحوش و قلبه ينبض بعنف.

أخذ وقتا إلى أن علم في أي طابور يقف، ملايين الطوابير، كل طابور يقف فيه على الأقل ثمانون تلميذا، ملايين المدرسين، شعر بالضئالة بين هذه الأعداد الغفيرة، وقف في طابوره و ظل يتأمل أشكال زملائه، ظل يتأمل حركاتهم و ملابسهم، أحس أنه دخل الجحيم للتو، أشكالهم مرعبة، حركاتهم غربية عليه، صوتهم عالى، يسلمون على بعضهم البعض بترحاب مبالغ فيه، يمسكون بعضهم في أماكن غريبة كنوع من الدعابة، حاول هو التماسك، و حاول أن يخفي نظراته لهم، حاول أن يركز في تحية العلم، مع الأغنية الوطنية التي يغنيها تلميذ يقف على منبر عالي بينما خلفه فرقة موسيقية كاملة، أحدهم على طبلة و الآخر على أورج و الآخر ممسكا بناي، حاول أن يستمع جيدا لمعلومة "هل تعلم" حاول أن يتظاهر الإهتمام بأن "عمر السلحفاة يتراوح بين ثمانين و مائة عام" إهتم جيدا بسماع الآية القرآنية و الحديث الشريف حتى و هو لا يفهم اللغة العربية الفصحى جيدا إلى أن إنتهت هذه المراسم الرسمية و إعتلى الناظر المنبر و بدأ بقول تحذيراته الجديدة، أو للدقة تهديداته و وعيده لأي إختلال، سمع  منه لغة جديدة على أذنه، الرجل يسب بين كل سبة و سبة سبة، سبب جديدة لم يسمعها من قبل في الشارع أو في التلفاز، "يا حشرات ضارة" مثلا "يا كلاب المجتمع" أو "اللي مش هيحترم نفسه هعلقه من لباسه ع العلم لحد ما ييجي ولي أمره" و هكذا، و لكن إلي حد ما كانت تحذيراته مطمئنة له، وجود رقابة صارمة ستجعل هؤلاء التلاميذ خائفين و ستجعلهم أكثر إستقامة، و لكنه كان متفائل، حيث أن بعدما أطول الرجل في خطبته التي يظنها تاريخية بدأ هاني يسمع تعليقات التلاميذ الساخرة "ماتخلصنا يا عم الشجيع" و جمل من هذا القبيل، و عندما قال أحدهم "يا عم سيبك من الكلمتين بتوع أول كل سنة دول و سيبنا نطلع ننام" بصوت عالى جهور سمعه مدرس، فلم يتردد بإعطائه صفعة مدوية علي قفاه و هنا وقع التلميذ و تحول أسلوبه من ناقد ساخر معارض إلي طفل رضيع يبكي بشدة، في لحظة نزلت الدموع بغزارة من عينيه و نزل المخاط الأصفر و الشفاف من أنفه كأنه ضغط على زر خفي تحت أذنه لتخرج هذه السوائل كالفيضان بدون مقدمات، و ظل يحلف بالله و الكعبة و النعمة أنه لم يقل أو يفعل شيء، و لكن المدرس حمله من أذنه و إعطاه ركلة أخرى على مؤخرته و قال له "إطلعلي فوق" و إصطنع التلميذ أنه متجه لهذا "الفوق" و لكنه ذاب وسط الجموع و وقف متخفيا في طابور آخر، و نظر لهاني الذي كان يتابعه بنظراته و علم مكانه، نظر له في تهديد فلم ينبت هاني بالطبع ببنت شفة، و كانت هذه أول مرة يرى فيها هاني هذا التلميذ، علي.

كان على سمين، شعره أحمر و عيناه زرقاء و لكن هذه الألوان لم تضفي عليه أي من أشكال البرائة، علي النقيض إعطته شكل مخيف مرهب، كان قميصه دائما خارج عن البنطال و كرشه الكبير مدلدل منه، من الواضح أن ملابسه أضيق منه، صوته عالى و وجهه محمر دائما و لم تكن تراه إلا و تجد وجهه مصبب بالعرق إلى درجة تجعلك تظن أنه "طس" وجهه للتو بالكثير من الماء و لم يقم بتنشيفه.

دخل هاني الفصل، وجدهم جميعا بقوة و عنف يتصارعان على مقاعدهم المفضلة، جلس علي بالطبع في آخر صف على طاولة يحتلها بمفرده، من المفترض أن هذه الطاولة الصغيرة يجلس عليها إثنان من التلامذة، ، لكن بالطبع كانت معظم الطاولات يجلس عليها ثلاثة تلاميذ بسبب العدد الكبير الذي يفوق عدد الطاولات، و وقف هاني في صمت يلاحظ ما يحدث، منتظر أن تهدأ الزوبعة، ليجد أن الطاولة الوحيدة الخالية هي الطاولة الواقعة في الصف الأول في المنتصف تماما، ما لاحظة أيضا أنه لم يجلس عليها أحد و فضل البعض "التزنيق" على الجلوس على هذه الطاولة، فمن المؤكد أنها ملعونة بشكل ما لم يفهمه هاني، و هنا في إستسلام إتجه هاني لها، ليجلس عليها بمفرده.

لاحظ الجميع أن هاني معه حقيبة غالية الثمن، لاحظ الجميع أن حذائه و ملابسه أنيقين منمقين، لاحظوا أنه يرتدي الزي الرسمي و لم يخرج عنه، و كان هذا كافي لإستفزازهم و لتحديد هوية طاقتهم التي ستفرز تجاهه، من المؤكد أنها ستكون طاقة سلبية، من المؤكد أن هذا الزميل الجديد سيكون "تاكسي السهرة"، و هذا هو المصطلح الذين يطلقونه على أقلهم مقدرة و قدرات جسمانية و الذي سيكون له نصيب الأسد من المضايقات و الإستهزاء و النكات و الذي سيستغله الجميع لتحقيق أي غرض لهم.

بدأت الحصة الأولى، و توالت الحصص بعدها، و لم يشرح أحد من المدرسين شيء، كانوا مهتمين بتقديم أنفسهم و إختيار لون الجلاد و توضيح معالم شخصياتهم في أول تعارف بينهم و بين التلاميذ، و تفنن الجميع في إرهاب الأطفال، كل بطريقته، حتى يفرض شخصيته عليهم "من أولها"، و كانوا يستخدون طرق إقناع غريبة بعض الشيء، كان كل منهم يتباهى بالمكان الذي جاء منه كمثل "و ماحدش يفتكر فيكوا إني محترم، أنا من إمبابة و اللي هيتكلم هطلع…. و الآخر "أنا من حواري بولاق و عارف حركاتكم كويس" و هكذا، و تقريبا جميعهم إتفق على شيء واحد "تبقى محترم أحترمك، تقل أدبك أو تنسى نفسك هقلع اللي في رجلي و أديك بيه"، و كشكل من أشكال التعارف طلب منهم أحدهم أن يقف كل منهم و يقول إسمه و مهنة والده – فهم هاني بعد سنين أن الغرض من هذا السؤال أن يعلم المدرس إن كان التلميذ له "ظهر" أم يستطيع أن يهينه كما يشاء – و لاحظ هاني أن الجميع يقول كلمة "لامؤاخذة" قبل المهنة، و لم يكن يعلم هاني معنى الكلمة محددا غير أنه يسمعها في ليالي الحلمية، فكان التلامذة يقولون "لامؤاخذة حلاق" أو "لامؤاخذة صرماتي" و قال علي "لامؤخاذة جزار" و هكذا، و لم يكن هاني يعلم معظم هذه المهن، و لا يتذكر أنه سأل أي من أصدقائه من قبل عن مهنة أبيه أو أمه، و كان يظن أن المهن هم دكتور أو مهندس فقط، و لهذا عندما وقف قال "هاني.. بابا لامؤخذة مات" و هنا سأله مدرس العلوم "و لامؤخذة ليه؟" فرد هاني في إحراج "أصلهم كلهم بيقولوها" و هنا إنفجر علي في الضحك و بالطبع ضحك الجميع خلفه – كان علي المقرر دائما لردود الفعل، إن ضحك علي على شيء فوجب من الجميع الضحك، إن إعترض يعترض الجميع إن صمت تسمع صوت الإبرة لو وقعت على أرض الفصل – و هنا صاح علي "دا إنت اللي شكلك لامؤخذة يالا" و هنا ضحك الجميع أكثر، و صاح أحد المهللين "الواد ده إسمه لامؤاخذة" فقام الآخر بالتكملة "يا لامؤخذاااااة" و هنا أسكتهم المدرس.

بالطبع لم يكن هاني يعلم أن هذا سيكون إسمه الذي أطلق و سيطلق عليه دائما.

في الفسحة دخل هاني الحمام بشنطته، ليأكل التفاحة بدون أن يراه أحد، كان يعلم أنه إن أخرج التفاحة أمام هؤلاء المتوحشين سيقومون عليه الحد و إن لم يأكلها ستكون مشكلة أكبر مع أمه.

جائت الحصة الأخيرة التي كان ينتظرها هاني بفارغ الصبر، كانت حصة لغة عربية، دخل المدرس و سأل جميعهم عن إسمهم بالكامل الثنائى أو الثلاثي و في أوقات أخرى الرباعي – لم يكن هاني يعلم أن الغرض من السؤال هو أن يعلم المدرس بطريقة "خبيثة" إن كان أحدهم مسيحي أم لا – و كان الجميع يقول إسمه إلى أن يقول إسم من الأسامي التي تطلق على المسلمين مثل محمد أو أحمد أو مصطفى و هنا كان يطمئن المدرس و يقاطعه، و عندما أتى الدور على هاني وقف و بدأ بقول أسمه "هاني عبد الله ….” قاطعه المدرس قبل أن ينطق هاني ببقية أسمه الذي كان "جرجس سوسة" و قال له المدرس "أقعد" و عندما إنتهى من الفصل كله قال في راحة "الحمد لله.. يعني مافيش حد هنا مسيحي"، كانت هذه الصاعقة الأخيرة من سلسلة الصواعق التي تلقاها هاني في يومه الأول، إنتهت الحصة الأخيرة و هرع هاني للحوش، ثم لخارج المدرسة، يعدوا و هو حاملا حقيبته الثقيلة الوزن التي تتأرجح على كتفيه، كأنه يريد أن يستيقظ من هذا الكابوس، وجد أمه في الخارج تنتظره، دخل السيارة في عجالة و جلس على كرسيه في صمت، حاولت أن تسأله عن المدرسة و عن أخبار أول يوم و لكنه لم يكن يرد، و لكنها لم تستسلم و باتت تصر على أن يحكي لها، و هنا إنفجر في البكاء، صرخ، و قال لها "أنا مش هروح المدرسة ديه ثاني، حتى لو مش هتعلم، حتى لو هموت".. صمتت هي ثم قالت له "زي ماتحب، بكره هروح أحاول أرجعك لمدرستك القديمة".

كانت الأم صامتة طوال اليوم، لم تداعبه أو تتكلم معه، وضعت الغذاء و لم تنادي له، و هو لم يحاول أن يكلمها، في الليل ذهبت لسريرها و لم تنادي له لينام جانبها كما تعودت أن تفعل بعد موت والده، و لكنه ذهب هو بمفرده، و تمدد جانبها، فقامت هي في حنان بضمه لها، و قالت له "ماتديقش مني يا هاني أنا ماكنتش" فقاطعها "إنت اللي ماتزعليش مني، أنا آسف، أنا بتدلع، المدرسة كويسة" فإرتاحت لكلماته و صدقتها و ردت "تفتكر لو عرفوا إنك لسة بتنام جمب مامتك هيقولوا عليك إيه؟" قال في إصطناع "أنا ماحدش يقدر يقول عليا حاجة"، و لم يكن هاني على صواب.

في اليوم الثاني كانت أول حصة هي حصة الدين، كان مدرسها هو نفسه مدرس اللغة العربية، دخل عليهم و جعلهم يفتحون الكتاب و جعل أحدهم يقرأ بعض الآيات و كان يصلح له، و بعدها مر مدرس الدين المسيحي و إقترب من الفصل و لكن مدرس اللغة العربية – و الدين الإسلامي في نفس الوقت – تكلم معه بصوت عالي ودود و قال له "كل سنة و إنت طيب يا أستاذ يوسف، معلش الفصل هنا كله مسلمين" تعجب يوسف و نظر في ورقه ثم نظر له و قال "و إنت طيب، أحسن.. أريح" ثم نظر للتلاميذ، و هنا صمت هاني، وضع رأسه في الأرض في خزى و هو خائف أن يعلن عن ديانته، فكر للحظات أن يتشجع و يقف و يعلن هويته، و تذكر كلام والده، تذكره عندما قال له "إوعى تتكسف من حاجة أو تخاف من حاجة، لما حد يسألك إسمك إيه قله هاني جرجس، ماحدش هيكرهك إلا لو إنت خليته يكرهك، ماحدش في البلد ديه بيكره المسيحيين و سيبك من كلام أمك" و كانت الأم تقاطعه "ماتضحكش عليه، هيضحكوا في وشه و لما يلف هيبصولوا كأنه جربان، إنت ماتتكلمش مع حد، ماتصاحبش حد، ماتتكلمش مع حد في دين و لا في سياسة، ماتتكلمش مع حد أصلا، و اللي يسأله إسمك إيه قله هاني و بس" كانوا يتشاجران، و كان هاني يصدق كلام والده أكثر، كانت أمه تعيش في الخارج قبل زواجها به و لهذا تكره هذا الشعب و تتهمه بالتخلف و العنصرية – كما فهم بعدما كبر - و لكن والده عاش في مصر طوال عمره و لهذا كان يصدقه هو، و لكن بعد موته مات كلامه و مات تصديقه له، لم يعد له إلا كلام أمه و باتت نصائحها له هي إنجيله الجديد.

مرت الأيام في الفصل و هاني مازال يحافظ على سره، لم يعلم أحد أنه ليس بمسلما مثلهم، و لكنه هذا لم يقربه من أحد و لم يحبب فيه أحد، و لكنه ظل على وضعه، صامت، لا يكلم أحد، و عندما يشاكسه أو يضايقه أحد بين الحصص كالعادة يصمت و يتجاهله إلى أن يمل منه أو يعطيه على قفاه أو يقرصه في أي مكان حساس في جسده فيحاول هاني إلإبتعاد عنه أو إزاحة يده، إلا أن أتى يوم الإنتخابات، و في هذا اليوم يجب علي كل فصل أن ينتخب عريفه كما قال لهم الناظر في الطابور، شرح لهم "أنه في ظل الديموقراطية و الحرية التي تعيشها البلاد تطبق الديموقراطية حتى في المدارس و الفصول، و أنه يجب علي كل فصل أن ينتخب عريفه، الشخص الذي سيكون ممثل للفصل و المسؤول عنه" و لكن هاني لم يهتم، فقط كان خائفا أن يتشاجر معه أحد حتى يصوت له، و لكنه كان مستعد أن يصوت لأول من يطلب منه هذا، و عندما دخل المشرف فصلهم و سألهم "مين مرشح نفسه؟" لم ينطق أحد، فقام بتهديدهم "لو ماحدش رشح نفسه هختار أنا واحد منكم" لم يفهم هاني لماذا لا يوجد من يرشح نفسه، لماذا لا يرشح نفسه علي و هو الملك المتوج للفصل، و هنا شاور علي على هاني و قال للمدرس "يا أستاذ أهه.. هو الواد ده اللي هيبقى عريف.. الواد لامؤاخذة هيرشح نفسه" تفاجأ هاني، لماذا هو؟!، لماذا يريده علي بالذات ليكون عريف الفصل؟! و نظر له المدرس و قال "ترشح نفسك؟" فلم يرد هاني من فرط المفاجأة فرد علي بالنيابة عنه "أيوه هو اللي هيرشح نفسه هو قالنا كده و إحنا كلنا موافقين.. الي موافق على الواد لامؤاخذة يرفع إيده" رفع الجميع أيديهم فنظر له المدرس و هنا وافق هاني، طالما يريدونه أن يكون شيئا، و خصوصا علي، فسيكون كما يريدون، و أصبح عريف الفصل، لماذا؟ و ما غرضهم من هذا؟ لم يعلم وقتها، و لكنه علم بعد مرور بضعة أيام.

كانت أهم مهام عريف الفصل كما يطلقون عليه أن يحل مكان المدرس إن غاب و ذهب الى الحمام أو لأي مكان، و أن يكتب على السبورة إسم أي شخص يقوم بأي شغب، و كان التلاميذ يختارون عامة من هو أكثرهم خوفا، الذي يخاف أن يكتب إسم أي أحد منهم حتى لا ينتقم منه هذا الأحد، و إكتشف هاني هذا بعد أول مرة وقف فيها على الفصل و هدده علي و قال له "لو كتبت إسم حد هنطلع ……” و بالطبع لم يكتب هاني أي إسم.

كان هاني ينظر لعلي كل يوم، و يتعجب، هل هذا الشخص مولود و الشر في دمه؟ لماذا يتلذذ بضرب التلاميذ الآخرين، و إثبات قوته كل لحظة بالإستهزاء بهم، لماذا لا يعارضه أحد؟ لماذا ينافقه معظم الفصل و يضحكون على أي شيء يقوله، لماذا رضوا أن يتوجوه ملكا عليهم، هل لإنه أكبرهم حجما؟ أو لأن صوته جهورا؟ أو لإن والده جزار كما قال في أول السنة، لماذا لا يثورون عليه؟

في البيت بدأت الأم تلاحظ في هاني بعض التغيرات، لم يعد يهتم بإرتداء الزي المدرسي، أصبح أكثر عنفا، أصبح يعلي من صوته في أي محادثة بطريقة تنافي أخلاقه و تربيته، لا يهتم بعمل واجباته و لا يذاكر مهما ألحت عليه و يطمئنها أنه لم يعطيهم المدرسين أي من الواجبات.

و في يوم دراسي ما، و في حصة الدين تحديدا، أتى المدير، و كان معه آخر شخص يريد هاني أن يراه هنا، أمه، بشعرها الأصفر، بسلسلة الصليب الواضحة علي صدرها، و قال المدير "فين هاني عبدالله جرجس سوسة؟" فرد المدرس في تلقائية، معاندناش هنا جرجس، و لكن الأم نظرت لإبنها، الذي تصبب عرقا في لحظة فوقف، و هنا تسائل المدير "إنت قاعد ليه في حصة الدين الإسلامي يا هاني؟ مارحتش لأستاذ يوسف ليه؟" نظر المدرس في تعجب كما فعل كل طلاب الفصل، و قال المدير "تعالى معايا".

إكتشفت الأم ما فعله هاني، كما إكتشفه المدير و باقي المدرسين و التلاميذ، سمع كل عبارات التسامح من المدير، كلمه عن أن الدين لله و الوطن للجميع، و أن الهلال دائما ما يعانق الصليب، و أن الإنسان لا يمكن أن يخجل من دينه، توقع هاني أن أمه لن تكلمه إلا في البيت، رجع إلي فصله فلم يتكلم معه أحد، جلس في خزي، خائف من ردود فعلهم الغير متوقعة، و لكن الكل تجاهله، رجع بيته فوجد أمه تتعامل معه كأن شيء لم يكن، و ظل الحال كما هو عليه.

إسبوعان من التجاهل الذي كان هاني يحمد عليه ربه، لم يعد يقول له أحد "يا ملامؤاخذة" كلما مر أمام طاولته، لم يعد أحد يعتبره موجودا، عندما كان يقف مكان المدرس الغائب كانوا يتجاهلونه و كان يتجاهلهم، و لكن هذا التجاهل بدأ يؤلمه، كان بدأ يعتاد على غلاستهم و كرههم له، التجاهل أصعب مؤلم أكثر من الكره، و عندما أتى شهر رمضان الكريم كان هاني يحضر لحركته الجديدة، أخذ يتخيلها و يشجع نفسه عليها، عندما تأتي الفسحة في أول يوم من شهر الصيم للمسلمين، سيخرج تفاحته الخضراء و يأكلها أمام الفصل، و فليفعلون ما يفعلون و ليركب علي أعلى خيوله.

أتت الفسحة، و قبل أن يندفعون، أخرج هاني تفاحته، و بسرعة بدأ بالقضم منها، و عندما بدأ الأكل منها بدأ التلاميذ في ملاحظة حركته، لم يفعل أحد منهم شيء، فقط نظروا إلى على ليقلدونه، و هنا أحس علي أن من واجبه التصرف، ذهب لهاني و كلمه "إنت مش عارف إن إحنا صايمين؟" لم يرد هاني و تجاهله، سحب علي منه التفاحة و رماها، فأكمل هاني مضغه حتى أصبح يحرك فمه في حركة مصطنعة، و هناأستفذ علي و بدأ الأخير بالتطبيل على طاولته هذا الإيقاع الراقص و بدأ بالغناء "سوسة.. هيخش النار" غناها عدة مرات، إلى أن تشجع الباقي و بدأوا يغنون معه "سوسة.. هيخش النار" و أصبح صوتهم عالي، و بدأ معظمهم بالرقص كما الراقصات المحترفات، و هاني يشطات غيظا و لكن لا يفعل شيء، على الصوت أكثر، و إلتفو حوله، و نظر هاني إلى علي، هذا الكائن الكريه، كان يعلم أنه سيفقد أعصابه، سينهار في البكاء إن لم يفعل شيء، فقام و وقف على الطاولة و قفز على علي و بدأ في عضه بعد أن إمتطاه كليا، و صرخ علي و مسكه باقي التلاميذ و شالوه من على علي، و هنا وقف علي و قال في غضب "يا إبن العضاضة.. طب ما إنت دكر أهه، بعد المدرسة لو دكر بجد ماتروحش و تستناني في الحوش" فرد هاني بشجاعة مصطنعة "إنت اللي تسناني لو راجل".

في هؤلاء الثلاث حصص، الذين هم بين الفسحة و إنتهاء اليوم، كانت نبضات قلب هاني سريعة، كان يتصبب عرقا من كثرة خوفه، إكتشف فداحة جرمه، إكتشف الحفرة العميقة التي رما نفسه فيها، هل يهرب بعد الجرس الأخير؟ أم يواجه و هو يعلم أنه سيموت تقريبا إن بدأ هذا العملاق بضربه، لم يسمع كلمة من شرح المدرسين، كان ينظر للتلاميذ و نظراتهم له، بعضهم ينظر نظرات شماتة و منتظرين هزيمته، و الآخرين ينظرون بشفقة لمصيره المجهول.

أتى الجرس الأخير، إجتمع الفصل كله في الحوش، إنتظروا حتى بدأ الحوش في الإختلاء، وجدوا هاني واقفا بفميصه، مشمرا أكمامه، و علي ينظر له في كره مستعدا للإنقضاض عليه، عندما حانت اللحظة، قال له علي "بس أنا لو عملت حاجة فيك هتقول لأمك" فرد عليه هاني "أنا مش هقول حاجة لأمي" فرد علي "طب إحلف.. بس هتحلف بإيه؟" فضحك الجميع فرد هاني "و الله و الإنجيل و القرآن، ما هقول لأمي" فرد على "ماشي" و إنقض عليه، في لحظات كان فوقه، ينهال عليه ضربا، و هاني لا يستطيع الدفاع عن نفسه، ظنون جميعا أن هاني سيموت، و بدأ على في الضحكك و التلذذ بإهانته بحركات مهينة و إيحائات جنسية، إلى أن قام هاني بالحركة التي ظل يتخيلها كثيرا، أخذ بعض التراب و رماه على عين علي، فلم يستطع علي رؤية شيء، و هنا ضربه هاني برجله عدة ضربات في منطقته الحساسة، فتألم علي و أطلق صرخة غاضبة و قال "يا كفتس يا إبن الـ …"، و تعجب الجميع، و هنا بدأ هاني بضرب على في وجهه، و ضربه ركلة قوية كانت كافية لكسر مناخير علي و إنهالت الدماء منها، و لكن على بعد لحظة جمع قواه مجددا لينقض مجددا غير مكترث بدمائه، و هنا علم هاني أن موته مؤكد، بعد كل مافعله و هذا البغل مازال في صحته و الأسوأ أن غضبه أصبح مضاعفا، و لكن حدث ما لم يتوقعه هاني، دخل جميع التلاميذ، و إنهالوا معه ضربا في على، تغيرت مقتناعتهم فجأة، هذا الوحش من الممكن أن يقع، إنه بشر مثلنا، و هنا ثار الجبناء، و بدأوا بضربه سويا، و هنا ظل على يسب إلى أن صمت تماما بعدما أخذ من الضرب ما يكفيه، و عندما إنتهوا منه نظروا جميعا لهاني، و ذهب أحدهم له، أخذ يده و رفعها للسماء كأنه ربح لتو مباراة ملاكمة، صفق الجميع، و لم يصدق هاني نفسه.

في اليوم التالي، أتى ولي أمر على، إكتشفوا جميعا أن والده فراشا في مصلحة حكومية و ليس بجزار كما كان يدعي، قال على أنه لم يتشاجر مع أحد و لكنه وقع، و لم يصدقه المدير و صدق كل التلاميذ الذين تجمعوا فجأة و قالوا أنه كان يضربهم و دافعوا هم عن نفسهم و ضربوه و وشوا بكل ما كان يفعله من أول السنة و في السنين الماضية، و بسبب وجود أم هاني التي أتت بعد أن رأت جراح إبنها و بعد أن حكى لها عن كل مضايقات علي بعد ساعات من التحقيق فذهبت و هددت المدير إنه إن لم يرفد هذا الوحش ستتصل بكل معارفها في كل الوزارات و الصحافة و تحكي لهم ما يحدث من تفرقة في هذه المدرسة، رفد المدير علي لمدة إسبوع، حدثت في هذا اليوم مشادة بسيطة بين عدة تلاميذ كانوا يريدون الجلوس بجانب هاني، و جلس إثنان منهم جانبه، و غاب مدرس الدين يومها – الذي هو نفسه مدرس اللغة العربية – فوقف هاني محله، و صمت الجميع ينظرون له، لم يتكلم أحد و لم يتشاغب أحد، كانوا جميعا خائفين، أن يكتب هاني إسم أحدا منهم.
 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : أفكار و خواطر شخصية | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر