الهاوي
كتبهاعمرو سلامة ، في 28 سبتمبر 2009 الساعة: 17:22 م
كنت لسة بقرا كتاب من الكتب السينمائية اللي بطلبها من على النت و بدفع فيهم دم قلبي بالعملة الصعبة، أينعم الكتب المهمة كلها أنا خلصتها تقريبا و بقيت بشتري كتب جديدة طفاسة لمجرد متعة وصول الطرد و فتحه و شم ريحة الكتاب الجديد اللي عدى علي ثلاث قرات و محيط و بحر عشان يوصلي، و أبقى حاسس إن الكتاب ده سافر أكثر ما أنا نفسي سافرت، و بعدها كل ما أحس إني مسرف أجيبه من مكان ما انا ملقحه و أحطه في الحمام لإن ده المكان اللي بقرا فيه غصب عني، و لو طلع كتاب جامد بيجبرني إني أحطه في شنطة اللاب توب علشان أقراه كل ما أزهق من الكتابة و مش عايز أضيع وقتي في الشات أو الفيس بوك.
المهم بالرغم من إن الكتاب ده مش جايب الديب من ديله، و رغى حبتين بس فيه كلام أثر فيا شوية، كلام عن معضلة من أكبر معضلات الفن اللي بتشغل معظم الفنانين اللي عندهم ضمير.
طبعا المعضلة ديه بالنسبة للناس اللي مش بتشتغل في الفن هتتشاف على إنها دلع أو كسل و لكن بالنسبة للفنانين هي شبح يومي و الشبح ده بتلاقيه في وشك كل ما يتعرض عليك شغلانة أو مشروع جديد و تبقى مش عارف توافق ولا لأ.
المعضلة ببساطة هي كالآتى، هل أوافق على أي حاجة هتنفعني ماديا أو هتحسن و تكبر إسمي أو هتعلمني بس أنا مش حاببها و مش مقتنع بيها و لا لازم كل اللي أعمله و أشتغل عليه يبقى مني و حاسه و حابه و بيناول موضوع شاغلني؟
و طبعا زي ما قلت لو إنت مش فنان مش هتحس بالمشكلة ديه، يعني مثلا مافيش محامي هيقول لأ القضية ديه مش حاببها أو حاسسها، مافيش محاسب ضريبي هيقول لأ والله شركات الأسمنت مش بتعبر عني و مش هتجيب كهربائي يصلحلك حاجة و يقولك لأ شكل الكهربا هنا مش باهرني، أو السباك يقولك معلش أصل الحنفية مش قادر أتوحد معاها، طبعا في شواذ للمواضيع ديه بس في المجمل لأ ديه شغلتك أو بمعنى أصح حرفتك اللي بتأكلك عيش و لازم تعملها عشان تصرف على بقالة الثلاجة و مصاريف تعليم الأولاد.
الفن برضه فيه كده و اللي بيعمل كده ساعات بيقولوا عليه (نحيت) و ده لفظ بيتقال على الفنانين اللي بيشتغلوا عشان القرش قبل أي حاجة ثانية، بس أنا مش مسميه نحت على قد ما بشوفه إحتراف أو بالإنجليزي إسمه واحد
professional
و معناها حد بيعمل حاجة بيعرف يعملها كويس و بيكسب منها فلوس بدون عواطف.
و عكس إنك تكون محترف هي إنك تكون هاوي أو بالإنجليزي برضه
amateur
و كلنا فاكرين إن معني الكلمة هو الفنان المبتدء اللي ماعندوش خبره أو غير ناضج أو لسة بيتعلم أو لسة مش بيعمل فلوس و ده اللي بنقول عليه هاوي، مع إن الكلمة (الإنجليزية) أصلا جاية من اللغة اليونانية و أصلها
with love
أو
with passion
يعني إن حد يعمل حاجة و هو يحبها أو يعشقها، و بالعربي برضه جاية من الهوى اللي هو الحب، مش معناها إنه مبتدء أو مش بيكسب منها فلوس.
فالمعضلة الحقيقية هي هل تبقى هاوي و تعمل اللي بيستهويك و لا تبقى محترف و تعمل فلوس و أفلام و أعمال تعجب الناس و الناس اللي طالباها منك؟
طبعا كل يوم و علي حسب الحالة المادية و المزاجية الواحد ممكن يغير رأيه، اللإثنين مش عيب علي فكرة، لا عيب إنك تتعب و تكسب فلوس من حاجة مش على هواك، و لا عيب إنك تكون هاوي و ماشي ورا أحاسيسك و تعمل فلوس أقل في معظم الوقت.
أنا مثلا، مؤمن جدا إني عايز أكون و أفضل هاوي، بس ساعات كنت بغير رأيي و أعمل حاجات مش حاببها.
أنا أصلا إشتغلت الشغلانة ديه (ألا و هي الإخراج و الكتابة و الفن عامة) لإني حاببها و معرفتش أشتغل حاجة مش حاببها، حتى لو واخد فيها شهادة و عندي فرص فيها أحسن و هتجيبلي فلوس و إستقرار و هتحطني في موقف أظرف مع أهل البنت اللي هتقدملها في يوم من الأيام لو ده حصل، بس ساعات بقول مش هطمع بقى، مش لازم كل تجربة جوا الشغلانة تكون عاجباني و حاببها، فجالي أوقات عملت فيها حاجات مش حاببها، زي مسلسل أو أغنية أو إعلان، لفلوسها، أو عشان أنتج أي منتج بدل ما أقعد أكتب في بيتنا بس بين الفيلم و الفيلم.
و التجربة أثبتتلي بالدليل القاطع إني عمري ما هعرف أكون محترف، بالنسبة لي، كل حاجة عملتها بتطلع جودتها على قد حبي ليها، حتى لو كان تقبل بعض الناس ليها مختلف، بعد ما أخلصها بيفضل نفس الشعور بالحب أو النفور موجود كل ما أبصلها.
بيجيلي شعور ما لما بعمل حاجة مش حاببها، -أتمني التشبيه مايخدش حياء حد- كإني عامل زي العاهرة التي بتقوم بأكثر عمل ممتع في الدنيا و لكن مع شخص لا تحبه من أجل المال، فيصبح أجمل و أمتع عمل مقزز و مؤلم، -طبعا مش كل العاهرات شايفينه مقزز و متأكد إن فيه منهم إتعلم إزاي يستمتع بالموضوع-
و ساعات ببص لنفسي و أقول طب ممكن أكون بقرف نفسي بسبب الدلع أو الكسل؟ و لازم أقرص على نفسي و أوافق على أي عرض فيه فلوس كويسة و هيطلعني خطوة لفوق و هيعجب أغلبية الناس حتى لو مش هيعجبني؟
و يفضل السؤال قائم و كل يوم أتأرجح بين الحالتين، و لكن يمكن الكتاب ده و إسمه على فكره
creative film making
بتعريفه البسيط لكلمة الهاوي خلاني آخد قرار نهائي و أقطع عرق و أسيح دم، و أقرر إني أفضل هاوي طول عمري، أكيد مش هشتغل لله و الوطن بدون فلوس، و أكيد عايز إسمي يكبر و أعمل مليون حاجة قبل ما أموت، بس من غير الحب ده هستحرم الفلوس ديه و أسمي هيتحط على أعمال مش بتاعتي و هعمل مليون حاجة مكسوف منها و مش هستمتع بوقتي و انا بعملهم و هحس إني عامل زي ديفيد شارل سمحون مع إني أصلا رأفت الهجان، أو كلارك كينت و أنا أصلا سوبر مان، ببقى واحد ثاني و ببقى باصص على نفسي من بره، و بصة كمان مش ولابد.
على فكرة أنا مش بعيب في أي حد محترف و بيعمل الشغل المطلوب منه بعيدا عن العواطف، ده مش عيب ولا حرام، و ربنا معاه و يعرف يحب اللي بيعمله، و بحسد كل اللي نفسهم حلوة و بيعرفوا يحبوا أي حاجة بتتعرض عليهم و خصوصا في بلدنا العزيز و مستوى المحتوى الجميل اللي بينتج كل يوم، ياريت كان عندي الموهبة ديه بس للأسف - أو لحسن الحظ مش عارف- مش عندي.
ستيفين سبيلبرج -أكثر مخرج تجاري و بالنسبة لناس كثير شايفينه الأكثر إحترافا- قال إن كل الأفلام اللي عملها بتحكي حاجة عنه مر بيها، و إنها بشكل من الأشكال سيرة ذاتية ليه، بما فيها أفلام الخيال العلمي اللي عملها و أفلام الحرب العالمية، قال إن (إي تي) ده هو لما كان طفل يهودي منبوذ بعيد عن بيته الأصلي، و هكذا على كل فيلم، و ديفيد لينش نفسه -أكثر المخرجين سيريالية و أفلامه ماحدش تقريبا بيفهما غيره- قال "أنا و سبيلبرج بيبان إننا على النقيض تماما مع إن ده مش صحيح أنا و هو بنعمل الأفلام اللي بنحبها و بنحب نتفرج عليها، بس الفرق بينا إن حظه حلو لإن ذوقه في الأفلام زي ذوق معظم الجمهور و أنا لأ.
أنا نفسي أبقى زيهم، عشان كده خدت قرار إني أعمل أفلام و أعمال عامة لو أنا مش مخرجها هتفرج عليها و تعجبني، أفلام شبهي، شبه مشاكلي و أفكاري، مؤمنة باللي مؤمن بيه، متعصبة من اللي بتعصب منه، باصه للدنيا من عينيا، و دوري إني أحاول أوصل الأفكار ديه بشكل يوصل للناس و يأثر فيهم و يغيرهم.
أعتقد إنه مهم قوي في حياتنا القرارات الجديدة، مهم أوي إنك تبقى عرف مبادئك، حتى لو كانت لا تتماشى مع دين أو عرف، حتى لو مبادئ إنت المخترعها، و الهدف من ده إنك كل ما تبقى في مفترق طرق هتقرر أسهل، و مش هتعيش عذاب التردد ما بين يمين و شمال، هتعرف نفسك أكثر فبسرعة هتعرف إنك هتخش الطريق ده و تسيب الطريق ده لإنه هيوصلك حتة مش عايز تروحها، و مع كل قرار و مبدأ جديد حياتك هتبقى أسهل و الأهم من أسهل هتبقى أوضح، و يبقى العذاب بس في المشي على المبادئ ديه لإن ده برضه صعب، بس لو مؤمن بيها فعلا العذاب ده هيتحول لمتعة لإنك ساعتها هتبص لنفسك بصة أحسن و هتقدر نفسك و تحترمها، مهما عملت من أخطاء قبل كده، هتفضل المتعة بتاعة إنك محارب بيحارب للي بيؤمن بيه، مهما كان نوع الإيمان ده.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات عن صناعة السينما | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























