رسالة حب
كتبهاعمرو سلامة ، في 8 أكتوبر 2009 الساعة: 13:46 م
محبوبتي القاهرة،
أكتب لكي أخيرا، بعد أن أحببتك كل هذه الأعوام في صمت، قد تكوني تعلمين كم أحبك و لكن من المؤكد أنك لا تعلمين مقدار حبي لك، و لهذا و أخيرا و ليس آخرا قررت أن أوصف و أشرح و أعلل أسباب حبي لك و مقدار هذا الحب الذي قد يصفه البعض بالأعمى و بالأفلاطوني و لكني لا أهتم لأنني أتمتع و أتلذذ بحلاوته و ليقول من يقول و ليعترض من يعترض و سوف يجعلني هذا أحبك أكثر، لأنني أغير عليك أصلا لو أحبك أحد مقدار حبي لك.
لماذا أحبك؟ هذا سؤال أسأله لنفسي كثيرا و تندفع الإجابات كالشلال المحتبس لقرون خلف سد منيع.
هل أحبك لأنني ولدت و تربيت بعيدا عنك، و أفنيت أوائل سنيني في مكان لا أحس معه بالإنتماء و التوحد؟
لأنني في طفولتي كنت أجلس وحيدا في هذا المكان البعيد في صمت، في بلد لا أعلم فيها غير أبي و أمي و إخوتي و بعض الأطفال في المدرسة الذين لا يتكلمون كما نتكلم في بيتنا، و عندما أأتي إليك أشعر أن الكل يتكلم كما أتكلم و أجد أشخاص يحبونني مع إنني لا أعلم من هم لأكتشف أن هذه عمتي و هذه خالتي و هذا عمي و أجد أولادهم في سني مستعدين للعب معي و التكلم مثلي.
لأن بيتنا هناك لا يزوره الزائر إلا نادرا و عندما نأتي إليك تصبح البيوت مزدحمة بإناس مبتسمين و صوتهم عالي.
و حتى بعد أن كبرت بعض الشيء و صدمت بكل من حولي، إنهم يتكلمون نفس اللغة و لكني غريب وسطهم، ينظرون إلي بحقد طبقي أو بفوقية طبقية، أظنهم يحبونني و لكني أجدهم يكمنون لي الضغائن و الشرور، و لكني أتذكر هؤلاء الذين لا كنت أفهمهم تماما و أقول المر في الأمر منه و أرضى في لحظة.
لأنني عندما أتيت كان يتلذذ أبي بسرد ذكرياته في كل مكان فيكي، كان يحكي لي أن هنا كان يذهب للجامعة و رآى جمال عبد الناصر لأول مرة، و هنا كان يعيش مع خالته و هو في الجامعة، و هنا مات السادات، و هنا أول وظيفة له، و هنا سكن عندما كان هو و أمي على الحديدة.
لأنني وجدت أن أقاربي موزعين بطريقة متوازنة على أحيائك، ففي كل حي قريب أو صديق أربطه بهذا المكان.
لأنني عندما دخلت أول مدرسة فيكي صدمت أننا نجلس مع البنات في نفس الفصل – تعلمين أنني ولدت و تربيت في السعودية حيث كانت البنات كائن حرام من أصله – و أحببت لأول مرة، و أنا في السنة الخامسة إبتدائي، بنت إسمها إيمان، و أتذكرها لوقتنا هذا، و أتذكر شكلها، و أتذكر أن بعد أجازة نصف السنة أتت و الحجاب علي رأسها، و أنا كنت أظن وقتها أنه رداء إجباري فقط في السعودية و لكن في مصر هو للسيدات الكبيرات في السن فقط، و مرت السنة و لم أتكلم مع إيمان و لو مرة واحدة، و لكني ظللت أحبها لأنني في إعدادي دخلت مدرسة للأولاد فقط فلم أرى بنات أخريات.
كنت فيكي و لكني كنت جائع للطواف بشوارعك لأري ما بها من إختلاف، لا يشبه شارع فيكي الآخر – بإستثناء بعض مناطق المعادي – و أشعر أن كل شارع فيكي مبني في زمن غير الآخر، له قصصه المختلفة عن أي شارع آخر، به أشخاص مختلفون عن الشارع الآخر، و كنت لا أستطيع أن أفعل ذلك، لإن مدرستي كانت أمام بيتي مباشرة، و كانت أمي لا تسمح لي بالخروج بمفردي تماما، إلا أن وصلت الثانوية العامة، و أصريت أن أذهب لمدرستي بالعجلة، لكي أذهب المدرسة و أرجع منها كل يوم من طريق مختلف، حتى أصبحت أأخذ طرق مطولة جدا لأرى أماكن جديدة لم يسمح لي من القبل الذهاب إليها.
تلذذت بعدها أن أركب الميكروباص و المترو لأماكن لم أذهب لها من قبل، أين الكوربة؟ أين روكسي؟ لماذا أنزل في محطة فاتن حمامة؟ لماذا سميت بهذا الإسم هل كانت تسكن هنا؟ آه المرغني هو نفسه الشارع الذي كان يتمشى فيه عبد الحليم حافظ في الوسادة الخالية مع لبنى عبد العزيز.
و عندما إستوليت على سيارة والدي قهرا و إقتدارا و وضع يد، و أصبحت أسأل كل من أراه – حتى لو لا أعلمه جيدا- (إنت ساكن فين؟) فيجاوب (حلوان) فأرد بدون تفكير (في طريقي هوصلك) و أنا لا أدري ما هي حلوان و أين تقع، و أضل و أنا في طريق العودة و لا يهمني، و لا أسأل أبدا إلا أن أصل بمفردي لطريق العودة.
و عندما أحببت أول حب حقيقي طويل و أفنيت فيه حوالي خمس أو ست أعوام من عمري، كانت متعتنا الحقيقية هي الـ (كروزة) أي اللف في شوارعك بلا هدف، و خصوصا في الزمالك، مكان الحب الأول، و نطوف حولها بلا هدف نسمع ما يقدمه الكاسيت الخربان لنا، و نتشاجر على الشريط الذي سنختاره، و ننفخ فيه ربع ساعة عشان مايسفش، و في يوم نتخذ طريق المحور أو الدائري، أو نطلع المقطم – لأغراض شريفة و الله - و تبدأ هي بالتوتر لعدم معلمتها أين نحن، فأطمئنها أنا حتى لو لم يكن عندي أدنى فكرة عن مكاننا على الخريطة، و تبدأ هي بالبكاء لإن أمها "سترفع الشبشب" فهنا أرفع الراية البيضاء و أسأل أول شخص أجده ليرد علي بكل حكمة "قالك فين؟"
و بعد أن أوصلها لأمها بسلام، و بعد أن يرفع الشبشب، و بعد مكالمة التليفون الطويلة، أبدا بتجميع العصابة، طارق و مصطفى في الهرم، معتصم عند كلية البنات، أحمد أسامة في مدينة نصر، نمر عند الكلية الحربية، لنخرج في المعادي، ثم (نكروز) إحنا كمان شوية، ثم أوصلهم واحدا تلو الآخر، ثم أتلذذ بالرجوع لبيتي بمفردي، لأعلي صوت الكاسيت و أغني معه، و لكن سيارتي تقطع بنزين، و أنا معايا إثنين جنيه لا غير، فأروح البنزينة و أحط شوية بنزين في الجركل و أرجع و أكافح مع العربية إلا أن تصالحني و تعمل و أظل أقرأ القرآن أن تصل للبيت بدون أن تقطع مرة أخرى، و ثاني يوم أتصنع الشهامة لأوصل أبي أي مشوار، لإنه عندما ينظر لمؤشر البنزين أعلم أنه سيقول (يابني البنزين خلصان خش أي بنزينة) و هنا يفولها بكل بساطة، و هنا أعلم إن ليلتنا فل النهاردة و أبدأ أكلم الشباب.
و بعدها لما إكتشفت عالمك التحتي و لاحظت إن المتبرجات اللي ماشيين في جامعة الدول دول مش بيحاولوا يكونوا جمال عشان خاطر الجمال بس عشان خاطر الشباب العرب و الشباب اللي مأجرين عربية و عايزين يتبسطوا، و عرفت إن الأماكن الغريبة ديه الناس بتروح تسكور مخدرات منها، و عرفت إن العمارات ديه فيها شقق دعارة، و عرفت إن شارع الهرم اللي كنت بروحوا لخالاتي و أصحابي فيه كباريهات بيحصل فيها ما شاه و طاب لإبليس، و عرفت إن هضبة المقطم الجميلة ديه أكبر منفذ لكبت الشباب الجنسي و عرفت إن شارع المنتزه في الزمالك أحسن مكان تشرب فيه البيرة الهينيكين، و عرفت إن ولادك بيغلطوا في حقك، حبيتك لإنك بتسامحيهم.
لإني من حبي فيكي و في شوارعك حفظتهم بمطباتهم، ببلاعتهم، بتصليحاتهم، بالمختصرات، باللجان – و ده الأهم – و أصبح كل أصدقائي يكلمونني عندما يتوهون ليسألوني "عمرو، أنا معايا مصايب في العربية و مش عايز أعدي على لجنة أعمل إيه" و هنا أشعر بكل فخر و أسأله عن مكانه و مكان وجهته و أبدأ بتوجيهه بكل براعة و "تنطيت" و أقول أشياء من قبيل "هتخش الشارع ده، إسمه نصر الثورة، و بعد ثالث مطب تخش شمال" فينبهر و يقول لي "إنت حافظ المطبات؟!" أقوم أرد بكل فخر برضه "عيب عليك يا معلم"
و حتى بعدما قل الأصدقاء، تشاجر البعض بسبب البنات، الآخرون بسبب العمل، و الآخرون بسبب تدينهم المتشدد أو إلحادهم المتشدد، و أصبح الأصدقاء أقل، ظلت الكروزة كما هي، و أصبحنا نتلذذ بقهوة المعادي أو الكوربة أو طريق مصر إسكندرية الصحراوي و خصوصا ليلا عندما – كما قال شريف نجيب - “تصالحنا القاهرة ليلا عما إقترفته من خطايا نهارا" مع الموسيقى أو مع النم، أو مع النكات الأبيحة، و نصل بيوتنا مع النهار، عندما نبدأ برؤية أول قطرات الندى من أطفال المدارس المجتهدين الواضح على وجههم أنهم مضروبين بالجزمة عشان يصحوا، هنا نعلم أن القاهرة ستكشر عن أنيابها فنستسلم و نرفع الراية البيضا و نذهب بيوتنا.
و عندما بدأ العمل، و أصبحت مواعيدنا مش بإدينا، و أصبحنا ننزل القاهرة صباحا و ظهرا و عصرا، و واجهنا مارد الزحمة الحقيقية و أصبحنا نتزنق على أكتوبر أو في نزلة المحور أو في المريوطية بالساعات، و أصبحنا نبحث عن ركنة في الزمالك أو المهندسين كمن ينقب عن الذهب إلا آن نستسلم و نركنها برضه صف ثاني أو ثالث، و يأتي لك شخص يشبه ذبابة الفاكهة و إنت خارج و يقولك بصوت مبحوح "تعالى… تعالى… تعالى…” و لا تسمع له و لا تأخذ بنصيحته و لكنك تعلم أنك ستعطيه إثنين جنيه غصب عن اللي خلفوك ليرد عليك هو "لا يا باشا بناخد خمسة جنيه"، لم أستطع أن أكرهك، بالعكس قدرتك أكثر، و صعبتي عليا إن حمولك قاعدة تزيد و أنت مستحملة، و كل ما فاعلين الخير – لو إفترضنا حسن النية – يعملوا كوبري جديد أو محور جديد أو يلغوا إشارة عشان يعملوا "يو تيرن" و يطلعوا أيماننا لإنهم بيشغلوا فيهم قرون لحد ما يخلصوهم – بإستثناء طبعا منطقة مصر الجديدة اللي بيتعمل الكوبري فيها بين ليلة و ضحاها – بحس إنك خدتي نفسك شوية، و أتبسطلك إلا أن يمر أسابيع قليلة و يرجع الوضع أسوأ من الأول فتصعبي عليا ثاني.
و لما كبرت أكثر، و بدأ أسافر بره مصر، بدأت أتوتر كما لم أتخيل من قبل، فين صلاح سالم؟ فين إعلانات كوبري أكتوبر؟ فين مطبات المحور اللي بتخليك و إنت بتجري عليه حاسس إنك في الملاهي؟ فين الكافيه اللي بقعد فيه؟ فين بيوت أصحابي؟ فين سينما جالاكسي؟ و إكتشف قد إيه بجد بحبك، و إني إتعودت عليكي بدرجة مرضية، ده أنا حتى ممكنا أتسخدم أكثر تعبير كليشيه في الدنيا، و أقول بدون تأنيب ضمير إني السمكة اللي ماتقدرش تطلع من المية و إنك ميتي.
و عندما ذهبت للدول الأخرى و وجدت ما بها من نظام، و تأنيق، و جمال بصري، توترت، أين تفاصيل القاهرة، أين الزبال الذي لا يكنس شيء، أين الصوت العالي؟ أين الدراما التي تجدها في كل ركن في هذه البلد، أحسست أنني في بلاد مصنوعة بالجرافيكس، ليس لا طعم أو رائحة أو معني، أين المستشفى الخارج من سقفها ونش مش عارفين يشيلوه؟ أين العمارات الآيلة للسقوط و لا يتركها أصحابها، أين العشوائيات؟ أين الغسيل المنشور؟ أين أمناء الشرطة الذين تسحرهم بخمسة جنيه ليجعلونك تركن في أي حته حتى لو في أوضة نومهم، أين سواقين الميكروباصات اللي مشغلين أغنية يا كعبوا كعبوا حبيبي و أنا ألاعبوا؟ أين التكاسي اللي مابقتش عارف هما أبيض في إسود و لا أبيض بشطرنج ولا صفر؟ أين الأتوبيسات التي تنظر داخلها لتجد أنها تحدت قوانين الفيزياء و الميكانيكا؟ أين الدائري التي ترى في آخره الهرم الذي لا تذهب إليه أبدا لأنه للسياح فقط و لإنه هيفضل متلقح فهشوفه ليه؟
و مرة واحدة، و لما كنت مسافر، إكتشفت أنك واحشاني أكثر من ناسك ما هما واحشيني، و على قد ما ده ألمني، لكنه بسطني، لإني إكتشفت إن عندي نعمة، مكان أنتمي له بجد، مكان أحس إنه بيتي، مكان أحسن إنه بتاعي و أنا بتاعه، ناس أمشي قدامهم و أنا معرفهمش أقولهم "السامو عليكو" يردوا بكل حماسة "و عليكو السا و راحمتالله و بركاتوووو، إتفضااااااال" أبتسم و أكمل مشي، أسمع تليفزيون مشغل ميلودي و بعدها تليفزيون مشغل عمرو خالد و بعدها راديو مشغل أم كلثوم و ده لإني موطي صوت الآي بود اللي مشغل فيه جون ماير عشان أسمع صوتك، صوت القاهرة.
بحبك بزحمتك، بالعرب اللي بيملوا جامعة الدول في الصيف بعربياتهم الكبيرة اللي ملزوق عليها من ورا إستيكارات "صقر الخليج" بالأجانب اللي ماشيين مش فاهمينك و لابسين شورطات، بالمحجبات المحضونين على كوبري قصر النيل، بوسط البلد اللي مش فاهمها، بجمهورية المعادي المستقلة الكامنة داخلك، بقسامك، بالكاريتات اللي بتمشي في أفخم الشوارع في منظر سيريالي لم يتخليه دالي نفسه، بإعلاناتك الكثير اللي على العمارات اللي مابقتش عارف أشوف السما منها، بالنجوم اللي مابقتش عارف أشوفها من كثر التلوث اللي فوقيكي، بالشبابيك اللي في العمارات اللي مافيش واحد فيها شبه الثاني، بالشباب الي واقفين بيشربوا حاجة ساقعة و ساندين على عربيتي قدام الكشك، بالشباب اللي بتخمس بعربياتها يوم الوقفة، بوقت الفطار و الدنيا لسة زحمة، ببعد ما مصر تكسب و أنزل أرقص في جامعة الدول و أشتري العلم اللي قمته إثنين جنيه بعشرين جنيه، بالريس و هو معدي و الشوارع واقفة ليوم الدين.
و أوعدك إني عمري ما هسيبك، حتى لو سافرت شوية إطمني ده هيزود حبي ليكي مش هايقلله، مش هكرهك، مش هسيبك و أسكن في مساكن القص و لزق اللي بعد المحور أو في طريق السويس ديه، و حتى لو سبيتلك شوية و سبيت للزحمة و الفساد و العادم، هكروز بليل و هتصالحيني و هحبك أكثر.
بحبك.
حبيبك عمرو.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : أفكار و خواطر شخصية | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























