رسالة من شخص آخر (قصة قصيرة)
كتبهاعمرو سلامة ، في 12 يناير 2008 الساعة: 03:23 ص
كل يوم كنت أرجع الى البيت فجرا ناظرا لهذه النوتة الصفراء التي تعلمينها و أتأملها و تداعبني فكرة كتابة هذه الخطاب لك كما وعدتك مسبقا .. و لكني وعدتك أنني لن أكتبه إلا و أنا صادق.. عندما أكون تغيرت فعلا.
لأقول لك الحقيقة.. لم أفهم وجهة نظرك قبل اليوم.. كان كل حديثك لي مصنفا بالنسبة لي تحت بند التلكيك و الكذب.. لا أصدق أنك تكرهين تشائمي.. و كيف تكرهينها و أنت كنت تحبينها؟ لقد كنتي تحبي شعري المتشائم و أفكار أفلامي السوداوية حتى صوري التي كنت أريها لك في بداياتي كنت تحبينها كنت تحبين أنني أصور العشوائيات و الزبالة و الخراب و أطفال الشوارع الملموم حول أفهاهم الذباب.
كنت تحبين كل هذا و بعد مرور السنين و حتى بعد تطوري الى مصور فوتوجرافي محترف أصبح كل أعمالي تبهرك أقل و تزايد نقدك لي و لفني و لتشائمي.
لقد أريتك صورة قديمة من التي كنتي تحبينهم و تقدسينهم على إنها صورة جديدة و نقدتيها نقد لاذع.. نقدتي الزاوية و الإضائة و العمق و الأهم تشائمي الواضح من الصورة.. لقد كان حبك للصور نابع من حبك لي و كان نقدك لها ملامة متخفية – أو حاولت أن تكون متخفية – لي ..
لقد طلبتي البعد و السفر لأخوكي الذي أكرهه في فرنسا الى أن أبعث لك هذا الخطاب لأقول – صادقا – أنني تغيرت.. أنني "إستيقظت و تشممت القهوة" أو "توقفت و أشممت الورد" كما تقولين، كم كنت أكره ترجمتك للجمل الأمريكية بسبب انك تفكرين بالإنجليزية كما تقولين.
لطالما حاولت أن أقنعك أن لا تفائل في عالمنا.. حيث أن التفائل هو كلمة مزيفة تساوي الكذب على النفس.. شاهدي قنوات الأخبار مرتين يوميا قبل الأكل و أتحداكي أن تكوني متفائلة بعد اليوم الرابع على أقصى تقدير.. إقرأي صفحات الحوادث.. الوفيات.. الصفحة الرئيسية حتى.. أو حتى صفحة الفن أو حظك اليوم.. و قولي لي كيف أكون متفائلا.
كنت تقولين أنظر للسماء كيف رفعت أقول لك أنظري إلى السحابة السوداء.. تقولين لي أنظر هذه القطة كنت أجزم لك أنها مسكن متحرك لملايين البراغيث.. كنت تقولين أنك تحبين في السبعينات روح التمرد و حب البيتلز للحياة كنت أجزم لك أن السبعينات هي المخدرات و إكتئاب ما بعد الحروب و "عفانة" بوب مارلي.
كنت ترقصين مع مطر الشتاء و أنا أكرهه بسبب الحمى التي تأتي لي طوال الشتاء.. كنت تحبين بحر الصيف و أنا أكره رائحة العرق كنت تحبين ورد الربيع و أحاسيس الخريف الرومانسية وقتما أكره أنا الرمد الربيعي و يذكرني الخريف بدخول المدارس و عدم التعود على الإستيقاظ البكير.
وعدتك أنني لن أكتب لك قبل أن أزيح النظارة السوداء و وعدتيني أنك سترجعين أنت لو خلعت النظارة الوردية لتري أن العالم أسود كما أراه أنا بدون نظارة أو وسيط.
و اليوم فقط قررت أن أكتب لك.. سأقص لك ما حدث لي البارحة.. قد يبدوا طبيعي و عادي.. و لكنك في نهاية الحكاية ربما تتفهمي سبب كتابتي للخطاب.
كنت أصور في أحد المناطق الشعبية.. منظري المفضل.. الزبالة المليئة بالقطط الجياع.. و عندما رأني أحد المجاذيب ذوي اليد الواحدة بسبب أن بتر الأخرى إقترب مني و عرض علي عرض لا يمكن أن أرفضه.
قال لي أنه مقابل خمس جنيهات مستعد لأن يجعلني أصور حكايته مع مستشفى حكومي.. لم أفهم و لكنه قال لي أنه مستعد أن يذهب معي إلى المستشفى و يمثل دور رجل مريض في حالة خطرة و يرى كيف أنهم لن يهتمون به و سيرمونه بسبب أن ليس معه المال.. و أنني أستطيع أن أصور كل هذه الحكاية من بعيد..
شعرت أنه رجل غريب مجنون متخلف و خصوصا أن شكله لا يدل على أي شخصية غير تلك التي تجمع هذه الصفات الجميلة سويا.. و هو يبتسم إبتسامة بلهاء مع كل كلامه.. خفت منه.. و لكنه قال لي أنه مستعد أن يأخذ إثنان جنيه فقط .. إعطيته الجنيهات و قلت أنني لست مهتم و لكنه رفض أن يأخذ شفقة.. و مسك يدي بقوة و هو يعطيني الجنيهان و سألني "هتخسر إيه؟"
لم أجد إجابة لسؤاله فذهبت معه.. و دخلنا هذه المستشفى.. أكاد أن أجزم أنها بالنسة لي جنة التصوير.. إنها مليئة بجوع و بشاعة أكثر بكثير من بشاعة هذه الزبالات الجميلة التي أصورها.. و ذهب الرجل و بدأ تمثيليته و أنا أصوره من بعيد.. تعلمين أنني إكتسبت حرفة التصوير المتخفي من خبرتي الطويلة في هذا المجال.. و فعلا صورته الى أن أخذوه الى الخارج و رموه و هنا دخل بسرعة و خلع بنطاله بسرعة و قام بالتبول على أرض المستشفى وسط ذهول العاملين في المستشفى و وسط ضحكه و لم يدري الممرضين ماذا يفعلون إلى أن أتى أحدهم و ظل يضرب فيه الى أن أعدمه العافية.. و هنا تظاهر المجنون صديقي أنه أصيب بأزمة قلبية و لكنه لم يكن يعلم أن تمثيله لن يغير من الوضع شيئا و رموه في الشارع مرة أخرى.
لقد صورت كل هذا.. و كنت فرحا و متعجب من هذا المكان و هذا الرجل و هذه الأحداث.. فخرجت له.. و تعجبت أن الكل يمر جانبه بدون أن ينظر له.. و هو يمثل ببراعة أنه مازال مصاب بالأزمة القلبية حتى بعد أن إختفى الممرضين و العاملين في المستشفى و هنا إقتربت منه.. حاولت أن أفيقه من تمثيله الذي قد صدقه.. إعطيته خمس جنيهات أخرى و قلت له أنني سأتركه و أغادر و شكرته و كنت مبتعدا عنه.. و لكن بعد إبتعادي نظرت خلفي لأجد أنه مازال يمثل أنه في أزمة فإقتربت منه بسرعة.. هذا المخبول مصاب فعلا بأزمة.. أزمة قلبية شديدة.
دخلت به المستشفى حاملا إياه أتى إلي الممرضين بتحفز.. واضه أن هذه ليست أول مرة له يقوم بتمثيل هذا الدور لهم.. لم يصدقون أنه في أزمة حقيقية.. عرضت عليهم المال.. و لكنهم قالو لي أن ليس في المستشفى الآن أي طبيب متخصص.. حيث أن كلهم في أجازات أو "مستأذنين" .. هذه أول مستشفى أراها في حياتي بها كل المهن عدا الأطباء.. هل ترى موقع بناء بدون مهندسين؟ أو كباريه بدون طبالين و راقصات؟
أخذته الى معهد القلب في العجوزة و دخلت حاملا إياه.. و وجدت إهتمام مختلف و دفعت أكثر من ثلاثة مائة جنيها تحت الحساب و أخذوا الرجل و أدخلوه غرفة ما و وضعوا سريره جانب الشباك و طلبوا مني أن أكون جانبه الى أن يأتي الطبيب ليفحصه.. و وجدت الرجل يزيح قناع الأكسوجين من على وجهه و يناديني .. إقتربت منه فطلب مني أن أفتح الشباك.. فتحته.. فنظر للسماء و النهار منه.. في هذا اليوم الرمادي المليء بالسحاب ظل يراقب الشمس و هي تكاد أن تظهر من خلف أحد السحابات الداكنة .. و عندما ظهرت و ظهرت أشعتها الطويلة من خلف السحاب نظر لي ثم لها و قال لي و هو يبتسم.. "أليس هذا يوم جميل"..
دخل الطبيب ليفحصه ليجده جثة هامدة.. و لكن جثة هامدة مبتسمة.
جلست أمس كله سارحا.. لماذا كان هذا الرجل سعيدا؟ إنه لا يملك شيء.. لو عرضوا علي ملايين المليارات لأحيى حياته أو ليأخذون مني ذراعي لأكون مثله لن أوافق.. إذا يدي تساوي لي ما هو أغلى من تلك المليارات.. إذا ماذا تساوي عيني؟ و عقلي؟ و كل ما أملكه؟ مليارات أكثر و أكثر و أكثر.. علم الحساب يقول ذلك.. طننت في حين إنني لا أملك كل ما يمكن أن تعطيه الحياة للإنسان.. و لكنني أملك الكثير .. و لو كنت أملك ما هو أثمن من المليارات إذا أنا أملك.. كل شيء.. عادا شيء واحد.. أنت..
أنا الأن أأكد بصدق إنني شخصا آخر .. قد أكون جننت و أصبحت مثل الرجل.. نعم قد يكون هذا جنون و ليس تفائلا.. إني حتى متفائل و أظن أنك ستبتسمين و أنت تقرأين هذه السطور.. إنني أتخيل إنتظاري لك في المطار تحت الشمس التي تختفي خلف تلك السحب الرمادية الجميلة.. و أجدك أتية تبحثين عني بأعينك الواسعة.. الى أن تجديني فتقفزين بقوة لتحتضينيني.. تحضنيني بعنف.. كما فعلت دوما.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : أفكار و خواطر شخصية | السمات:أفكار و خواطر شخصية
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























يناير 12th, 2008 at 12 يناير 2008 7:07 ص
عمور بعد صباح الخير
صباح ملىء بكل فرحة
قتلتها كلمات قصتك
لحظى الغريب ان دا اول دخول لى للقراءةعلى مدونات مكتوب , وتكون انت اول من قرات
له وكانك ترصد الواقع المر الذى نحاول ان ننساه ونتخيل ان الحياه بمبى بمبى
سلمت يداك,,,,,,,,, ووفقك البارىء الى اجمل مافى الحياة shosho
يناير 15th, 2008 at 15 يناير 2008 1:40 ص
i don’t know if u really visit this hospital or not but what u have say is real and happened everyday but in hospital doctors are found but there is no vacancy for new patients that is our problem and thanx very much for your writings
يناير 15th, 2008 at 15 يناير 2008 7:01 ص
great walahy ya amr
we kaman 2e3lan waraket shafra gamed awy
Hossam ElSaadany
يناير 15th, 2008 at 15 يناير 2008 8:23 ص
nice ya dollllllllllllllllllllllllll walla balash
مارس 6th, 2008 at 6 مارس 2008 11:33 ص
مدهش ! مشهد حلو اوي
تخيلتك و انت بتكتبه و انت بتصور الزبالة
و انت بتشيل الراجل و انت مش مصدق انه تمثيله انتهي
و لما بص في السما و ضحك … انتزعت من تقاسيم وجهك العصبيه الحزينة تلك الابتسامة التي لم ترقي للأبتسام
فهو ضحك اشبه بالبكاء
موهبتك في الكتابة فعلا مدهشة … بس دي مش كتابة بس … دي حاجة حلوة اوي
مارس 17th, 2008 at 17 مارس 2008 10:33 ص
ازايك يا عمرو ؟
مبروك على اكرامي
يناير 5th, 2009 at 5 يناير 2009 11:05 ص
اسمعني انت وياه يامخانيث