محبوبتي القاهرة،
أكتب لكي أخيرا، بعد أن أحببتك كل هذه الأعوام في صمت، قد تكوني تعلمين كم أحبك و لكن من المؤكد أنك لا تعلمين مقدار حبي لك، و لهذا و أخيرا و ليس آخرا قررت أن أوصف و أشرح و أعلل أسباب حبي لك و مقدار هذا الحب الذي قد يصفه البعض بالأعمى و بالأفلاطوني و لكني لا أهتم لأنني أتمتع و أتلذذ بحلاوته و ليقول من يقول و ليعترض من يعترض و سوف يجعلني هذا أحبك أكثر، لأنني أغير عليك أصلا لو أحبك أحد مقدار حبي لك.
لماذا أحبك؟ هذا سؤال أسأله لنفسي كثيرا و تندفع الإجابات كالشلال المحتبس لقرون خلف سد منيع.
هل أحبك لأنني ولدت و تربيت بعيدا عنك، و أفنيت أوائل سنيني في مكان لا أحس معه بالإنتماء و التوحد؟
لأنني في طفولتي كنت أجلس وحيدا في هذا المكان البعيد في صمت، في بلد لا أعلم فيها غير أبي و أمي و إخوتي و بعض الأطفال في المدرسة الذين لا يتكلمون كما نتكلم في بيتنا، و عندما أأتي إليك أشعر أن الكل يتكلم كما أتكلم و أجد أشخاص يحبونني مع إنني لا أعلم من هم لأكتشف أن هذه عمتي و هذه خالتي و هذا عمي و أجد أولادهم في سني مستعدين للعب معي و التكلم مثلي.
لأن بيتنا هناك لا يزوره الزائر إلا نادرا و عندما نأتي إليك تصبح البيوت مزدحمة بإناس مبتسمين و صوتهم عالي.
و حتى بعد أن كبرت بعض الشيء و صدمت بكل من حولي، إنهم يتكلمون نفس اللغة و لكني غريب وسطهم، ينظرون إلي بحقد طبقي أو بفوقية طبقية، أظنهم يحبونني و لكني أجدهم يكمنون لي الضغائن و الشرور، و لكني أتذكر هؤلاء الذين لا كنت أفهمهم تماما و أقول المر في الأمر منه و أرضى في لحظة.
لأنني عندما أتيت كان يتلذذ أبي بسرد ذكرياته في كل مكان فيكي، كان يحكي لي أن هنا كان يذهب للجامعة و رآى جمال عبد الناصر لأول مرة، و هنا كان يعيش مع خالته و هو في الجامعة، و هنا مات السادات، و هنا أول وظيفة له، و هنا سكن عندما كان هو و أمي على الحديدة.
لأنني وجدت أن أقاربي موزعين بطريقة متوازنة على أحيائك، ففي كل حي قريب أو صديق أربطه بهذا المكان.
لأنني عندما دخلت أول مدرسة فيكي صدمت أننا نجلس مع البنات في نفس الفصل – تعلمين أنني ولدت و تربيت في السعودية حيث كانت البنات كائن حرام من أصله – و أحببت لأول مرة، و أنا في السنة الخامسة إبتدائي، بنت إسمها إيمان، و أتذكرها لوقتنا هذا، و أتذكر شكلها، و أتذكر أن بعد أجازة نصف السنة أتت و الحجاب علي رأسها، و أنا كنت أظن وقتها أنه رداء إجباري فقط في السعودية و لكن في مصر هو للسيدات الكبيرات في السن فقط، و مرت السنة و لم أتكلم مع إيمان و لو مرة واحدة، و لكني ظللت أحبها لأنني في إعدادي دخلت مدرسة للأولاد فقط فلم أرى بنات أخريات.
كنت فيكي و لكني كنت جائع للطواف بشوارعك لأري ما بها من إختلاف، لا يشبه شارع فيكي الآخر – بإستثناء بعض مناطق المعادي – و أشعر أن كل شارع فيكي مبني في زمن غير الآخر، له قصصه المختلفة عن أي شارع آخر، به أشخاص مختلفون عن الشارع الآخر، و كنت لا أستطيع أن أفعل ذلك، لإن مدرستي كانت أمام بيتي مباشرة، و كانت أمي لا تسمح لي بالخروج بمفردي تماما، إلا أن وصلت الثانوية العامة، و أصريت أن أذهب لمدرستي بالعجلة، لكي أذهب المدرسة و أرجع منها كل يوم من طريق مختلف، حتى أصبحت أأخذ طرق مطولة جدا لأرى أماكن جديدة لم يسمح لي من القبل الذهاب إليها.
تلذذت بعدها أن أركب الميكروباص و المترو لأماكن لم أذهب لها من قبل، أين الكوربة؟ أين روكسي؟ لماذا أنزل في محطة فاتن حمامة؟ لماذا سميت بهذا الإسم هل كانت تسكن هنا؟ آه المرغني هو نفسه الشارع الذي كان يتمشى فيه عبد الحليم حافظ في الوسادة الخالية مع لبنى عبد العزيز.
و عندما إستوليت على سيارة والدي قهرا و إقتدارا و وضع يد، و أصبحت أسأل كل من أراه – حتى لو لا أعلمه جيدا- (إنت ساكن فين؟) فيجاوب (حلوان) فأرد بدون تفكير (في طريقي هوصلك) و أنا لا أدري ما هي حلوان و أين تقع، و أضل و أنا في طريق العودة و لا يهمني، و لا أسأل أبدا إلا أن أصل بمفردي لطريق العودة.
و عندما أحببت أول حب حقيقي طويل و أفنيت فيه حوالي خمس أو ست أعوام من عمري، كانت متعتنا الحقيقية هي الـ (كروزة) أي اللف في شوارعك بلا هدف، و خصوصا في الزمالك، مكان الحب الأول، و نطوف حولها بلا هدف نسمع ما يقدمه الكاسيت الخربان لنا، و نتشاجر على الشريط الذي سنختاره، و ننفخ فيه ربع ساعة عشان مايسفش، و في يوم نتخذ طريق المحور أو الدائري، أو نطلع المقطم – لأغراض شريفة و الله - و تبدأ هي بالتوتر لعدم معلمتها أين نحن، فأطمئنها أنا حتى لو لم يكن عندي أدنى فكرة عن مكاننا على الخريطة، و تبدأ هي بالبكاء لإن أمها "سترفع الشبشب" فهنا أرفع الراية البيضاء و أسأل أول شخص أجده ليرد علي بكل حكمة "قالك فين؟"
و بعد أن أوصلها لأمها بسلام، و بعد أن يرفع الشبشب، و بعد مكالمة التليفون الطويلة، أبدا بتجميع العصابة، طارق و مصطفى في الهرم، معتصم عند كلية البنات، أحمد أسامة في مدينة نصر، نمر عند الكلية الحربية، لنخرج في المعادي، ثم (نكروز) إحنا كمان شوية، ثم أوصلهم واحدا تلو الآخر، ثم أتلذذ بالرجوع لبيتي بمفردي، لأعلي صوت الكاسيت و أغني معه، و لكن سيارتي تقطع بنزين، و أنا معايا إثنين جنيه لا غير، فأروح البنزينة و أحط شوية بنزين في الجركل و أرجع و أكافح مع العربية إلا أن تصالحني و تعمل و أظل أقرأ القرآن أن تصل للبيت بدون أن تقطع مرة أخرى، و ثاني يوم أتصنع الشهامة لأوصل أبي أي مشوار، لإنه عندما ينظر لمؤشر البنزين أعلم أنه سيقول (يابني البنزين خلصان خش أي بنزينة) و هنا يفولها بكل بساطة، و هنا أعلم إن ليلتنا فل النهاردة و أبدأ أكلم الشباب.
و بعدها لما إكتشفت عالمك التحتي و لاحظت إن المتبرجات اللي ماشيين في جامعة الدول دول مش بيحاولوا يكونوا جمال عشان خاطر الجمال بس عشان خاطر الشباب العرب و الشباب اللي مأجرين عربية و عايزين يتبسطوا، و عرفت إن الأماكن الغريبة ديه الناس بتروح تسكور مخدرات منها، و عرفت إن العمارات ديه فيها شقق دعارة، و عرفت إن شارع الهرم اللي كنت بروحوا لخالاتي و أصحابي فيه كباريهات بيحصل فيها ما شاه و طاب لإبليس، و عرفت إن هضبة المقطم الجميلة ديه أكبر منفذ لكبت الشباب الجنسي و عرفت إن شارع المنتزه في الزمالك أحسن مكان تشرب فيه البيرة الهينيكين، و عرفت إن ولادك بيغلطوا في حقك، حبيتك













