هنرش مية

نوفمبر 22nd, 2009 كتبها عمرو سلامة نشر في , أفكار و خواطر شخصية

أنا بصراحة إتفاجئت ببعض الردود على آخر نوت كتبتها، و قاعد أفكر في ردود الأفعال اللي جت، و ده خلاني مانمش و أقوم أكتب النوت ديه، مع إني قضيت يمكن أطول يوم في حياتي.

في ناس كثير شايفة إني مقلل حجم الموضوع أو مش حاسس باللي بيحصل. و أنا طبعا شايف إن ده شيء نسبي، لإنك لو نملة هتشوف الحمار فيل و لو فيل هتشوف الحمار نملة.

أنا مش من عادتي إني أرد على الردود عامة لإن اللي قلته قلته خلاص و كل واحد يستقبله زي ما هو عايز، بس المرة ديه بس هيبقى إستثناء و هرد للأسف بنوت كاملة لإن عندي كلام جديد عايز أقوله.

مش هتكلم مثلا على صديقتي الجزائرية اللي فرجتني باريس كلها النهاردة و قعدت تعيط لما بعض أصحابنا المصريين شتموها و قالولها مش عايزين نعرفك ثاني و لا على الراجل الجزايري اللي شفته في باريس بيشغل في أكبر جنينة هناك و في العجلة الدوارة اللي قعد يهرج معايا و قالي خدوا كاس العالم منا لو هيكرهنا بعض، عشان مبقاش مكرر فمش هخش في التفاصيل ديه، و لإنها ممكن تكون ديه هي الحالات الفردية، و لإن دول ناس عايشين في فرنسا برضه.

أنا هتكلم على شعب عظيم، بنا الأهرامات و الأزهر، و عمل إنجازات مهولة، كان آخرها على ما أذكر حرب ثلاثة و سبعين، و من بعدها شوية رفايع، كام كاس أفريقيا، و جول مجدي عبد الغني، و بنينا كام كوبري و رصفنا كام شارع، و فتحنا ثلاث شبكات محمول و بقى المحمول مع كل مواطن بس العيش لأ، و عملنا الأزهر بارك اللي بتدفع ثمن الركنة فيها ثلاث مرات.

و قدام ده، تحول سعر العملة بعد الحرب من جنيه لكل ثلاث دولارات لخمسة جنيه لكل دولار، ظهور العشوائيات و الفقر و شحوح الماء في بلد النيل، معدل الأمية بيقل بس الجهل بيزيد، الظلم الإجتماعي و الفساد أصبحوا الواقع الذي يحب التأقلم معه بينما الأخلاق و الأحلام و الأهداف اللي ليها معنى و أهمية للمجتمع ككل أصبحوا خيال علمي رومانسي.

و ييجي حاجة زي موضوع الجزاير و الماتش و تخليني أفكر.

الناس اللي هيوقعوا على المطلب بتاع الفيفا عشان يلغوا تأهل الجزاير، أكيد هيكونوا مئات أضعاف عدد الناس اللي شاركت مثلا في الإنتخابات الرئاسية اللي فاتت، أو حتى إنتخابات مجلس الشعب، الناس اللي ثارت قدام سفارة الجزائر عددهم مليون ضعف الناس اللي ثارت لما البوليس حط في طيز مواطن عصاية شمسية.

الناس اللي شتمت الجزاير تليارات أضعاف الناس اللي قالت كفاية.

الناس المثقفة اللي مقتبسة مقولات غاندي – اللي لما ناس من دين ثاني كانوا بيقتلوا أولاد دينه فقال نسامحهم و نوريهم أخلاقنا- و حطينها عندهم على الفيس بوك هما نفسهم اللي عايزين يموتوا أي حد جزايري لو شافوه.

قاعدين نابحين صوتكوا في موضوع الخلافة و التوريث و عشان علاء مبارك إتكلم ثلاث دقايق في برنامج رياضي شتم بعض جمهور الجزاير إتعملت جروبات "عايزين علاء مبارك رئيس جمهورية"، بقى وصولك لكرسي الحكم هو عداوة الجزائريين على برنامج رياضي لمدة لا تزيد عن عشر دقايق، ساعتها الشعب يحبك و يثق فيك كرئيس جمهورية.

أيوة كرامة مصر إتهانت من ميت ألف من الرعاع، فعملنا باللوا، كرامة مصر ماتهانتش في العشرين سنة اللي فاتوا من اللي يسوا و اللي مايسواش؟ كرامة مصر محفوظة قوي لما تروح سفارة بلد نص كم و يتنكوا على أمك و تلاقي برضه الناس واقفة طوابير؟ كرامة البلد ماتهانتش لما تبقى مكسوف من الباسبور الأخضر بتاعك في أي مطار في العالم؟ محتاج فيسا عشان تخش حمام بيتكم و هما بيخشوا سرير نومك من غير فيسا؟ كرامة مصر ماتهانتش لما فتحوا ماكدونالدر في مكتبة الإسكندرية؟ كرامة مصر مش متهانة لما بناتها بيتحرش بيهم كل يوم من رجالة بلدهم فتكتشف إن الدعارة المصرية أصبحت دولي هوم ديليفيري، إطلبها في أي بلد تجيلك، ماهي بتتهان ببلاش من ولاد بلدها، لو قعدت أحسب كرامة مصر بتتهان كل يوم إزاي من أهلها قبل ما يكون من الغريب، الآلات الحاسبة هتسبلي الدين.

الناس اللي مش لاقية بطل و رمز و مش لاقية عدو "بردعة" تحاربه عملت من شوية فنانين جائعين للأضواء يبقوا أبطال الأمة عشان إترمى عليهم كام طوبة و هما "رايحين يشجعوا مصر" و يطلعوا في عدسات التليفزيون، و المزايدات بقى، أنا راسي إتفتحت و هو زي القرد، أنا قعدت أستخبى في بيوت السودانيين، كنت يا خي في سينا بعد سبعة و ستين و بتستخبى في بيوت البدو بقصة شعرك ديه  و أغانيك "الرومانسية"؟ و الثاني و الثالثة يشتموا شعب كامل (شقيق سابقا) على الهوا و الناس تصقف، و كل واحد نفس إسمه يتحط بالبنط العريض في جرنال بكره و ياخد جايزة الدولة التشجيعية ياخد موقف مع دولة الجزاير.

أن مش بدافع عن الجزاير دلوقتي على فكرة خالص، أنا بس بسبلنا إحنا، عمرو أديب (مع إني بموت فيه) فعلا بدأ الحرب الإعلامية قبلهم، سبلهم بطرق مباشرة و غير مباشرة، عايزين ليه الحكومة الجزائرية تقدم إعتزار رسمي لما كان لعيبتهم إتفتح دماغهم ق

المزيد


كلمتين في زوري هقولهم لا أزور.

نوفمبر 20th, 2009 كتبها عمرو سلامة نشر في , أفكار و خواطر شخصية

أنا أولا في بيلجيكا، أول مرة أزور أوروبا، و نزلت هنا لأفاجئ بعرب كثير جدا، كما فوجئت بيهم لما كنت في مونتريال قريب.

المعظم هناك في مونتريال كان لبناني، و المعظم هنا شمال أفريقي، الأكثرية من المغرب ثم من الجزائر.

أول إمبارح كنت هموت و أشوف الماتش، عرفت إن في مكان فيه قهاوي عربي و معظمها مغربي أو جزائري، قولت أروح و خلاص و لو حد سألني إنت منين هقوله من سنغافورا، و لو قالي منين من سنغافورة هقوله من بني سويف، أو أقوله إني كدبت عليه و إنا لله و إنا إليه راجعون.

المهم.

و أنا ماشي في الشارع المظلم الخالي (لإنهم هنا كلهم بيروحوا بدري) سمعت ناس بتصرخ بالمصري، تتبعت الصوت لقيتهم جوا شقة تحت الأرض، أنا هموت و أشوف الماتش بقى فخبط، لقيت واحد فتحلي الباب (من الي شكلهم إسمهم عصام أو عماد دول) قلتله "ممكن أشوف الماتش معاكم؟" قالي "مصري؟" قلتله "الحمد لله" قالي "خش بس شجع بصوت عالي.

كانوا حوالي ١٥ واحد و قعدوا يكثروا معاهم أعلام مصر و كنا بنشوف الماتش على الإي آر تي، و التجربة مصرية تماما، و خصوصا إن ديكور البيت كراسي مدهب، و كانوا بيعملوا شاي تفل (كشري) يعني مصر بكل ما تحمله الكلمة من معاني.

طبعا عيطنا، و نصحنا عماد/عصام بتخبئة الأعلام و إن كله يروح بيته دوغري.

أنا إتجهت للفندق و هو بعيد شوية، و جمبي عربيات إخواننا الجزائريين بكلاكساتها بأعلامها بتشجيعها و كل البلجيكيين بيصفرلهم مبسوطينلهم و أنا خلاص دمعتي على خدي يا ولداه.

طلعت الأوضة و نيمت نفسي قبل ما أموت في بلد غير بلدي و يبقى الموضوع فيه إجرائات سخيفة لمن هو مهتم بأشلائي.

المهز، صحيت، دخلت على النت، شفت المصايب بتاعت السودان، و بعدها بليل شوفت مصايب الزمالك.

أعترف، إني من كثر ما إتشحنت كنت مستعد أموت أول جزائري ألاقيه قدامي، و قلت يلعن أبوها كورة داحنا المصريين يا ولود الـ……..

أمي كلمتني على الموابايل قالتلي خد بالك قالوا في الأخبار إن الجزايريين في بروكسل ضربوا مصريين، قلتلها بحمشنا "خلاص هيقولوا بكره في بروكسل المصريين خدوا حقهم" و لكني بصراحة بدأت أخاف.

النهاردة هديت شوية، قررت أروح أصلي الجمعة في بروكسل و سألت قالولي إن في أكبر مسجد في مكان ما، روحتله بخطين مترو، و توهان للصباح الباكر، عملت دكتوراه في خريطة المترو هنا، و لما قابلني طريق سد في الآخر لقيت راجل بيبيع حلويات أول مرة أشوفها، شكله مش عربي، (أنا خايف أخبط في أي حد جزائري يفقسني) سألته بالإنجليزي فين الجامع، قالي "تحكي عربي" قلتله "آه" قالي "إنت مصري" إتسحبت من أم لساني و قلتله "آه" قالي "يا أخي أنا جزائري" في سري نطقت الشهادتين.

الراجل كان مقتنع إني حسني مبارك تقريبا، قعد يدافع عن موقفهم، و قالي "تفتكر إن كل ده كان هيحصل لو لعيبتنا ماتفتحش دماغهم؟" “حتى لو كسروا القزاز من جوا هيبطحوا نفسهم؟ إنت مصدق؟" قعدت أدافع لآخر رمق "قلتله لو ده حصل، إحنا إتدايقنا" قالي "ما إحنا متدايقين، و أنا بحب مصر زي ما بحب الجزائر و بعدين ده تخلف، إلخ"

المهم الراجل خدته الحماسة و بدأ يدمع لحد ما قعد يحكيلي عن خاله الطيار اللي حارب في ثلاثة و سبعين و إزاي حكلهم لما ك

المزيد


رسالة حب

أكتوبر 8th, 2009 كتبها عمرو سلامة نشر في , أفكار و خواطر شخصية

محبوبتي القاهرة،

أكتب لكي أخيرا، بعد أن أحببتك كل هذه الأعوام في صمت، قد تكوني تعلمين كم أحبك و لكن من المؤكد أنك لا تعلمين مقدار حبي لك، و لهذا و أخيرا و ليس آخرا قررت أن أوصف و أشرح و أعلل أسباب حبي لك و مقدار هذا الحب الذي قد يصفه البعض بالأعمى و بالأفلاطوني و لكني لا أهتم لأنني أتمتع و أتلذذ بحلاوته و ليقول من يقول و ليعترض من يعترض و سوف يجعلني هذا أحبك أكثر، لأنني أغير عليك أصلا لو أحبك أحد مقدار حبي لك.

لماذا أحبك؟ هذا سؤال أسأله لنفسي كثيرا و تندفع الإجابات كالشلال المحتبس لقرون خلف سد منيع.

هل أحبك لأنني ولدت و تربيت بعيدا عنك، و أفنيت أوائل سنيني في مكان لا أحس معه بالإنتماء و التوحد؟

لأنني في طفولتي كنت أجلس وحيدا في هذا المكان البعيد في صمت، في بلد لا أعلم فيها غير أبي و أمي و إخوتي و بعض الأطفال في المدرسة الذين لا يتكلمون كما نتكلم في بيتنا، و عندما أأتي إليك أشعر أن الكل يتكلم كما أتكلم و أجد أشخاص يحبونني مع إنني لا أعلم من هم لأكتشف أن هذه عمتي و هذه خالتي و هذا عمي و أجد أولادهم في سني مستعدين للعب معي و التكلم مثلي.

لأن بيتنا هناك لا يزوره الزائر إلا نادرا و عندما نأتي إليك تصبح البيوت مزدحمة بإناس مبتسمين و صوتهم عالي.

و حتى بعد أن كبرت بعض الشيء و صدمت بكل من حولي، إنهم يتكلمون نفس اللغة و لكني غريب وسطهم، ينظرون إلي بحقد طبقي أو بفوقية طبقية، أظنهم يحبونني و لكني أجدهم يكمنون لي الضغائن و الشرور، و لكني أتذكر هؤلاء الذين لا كنت أفهمهم تماما و أقول المر في الأمر منه و أرضى في لحظة.

لأنني عندما أتيت كان يتلذذ أبي بسرد ذكرياته في كل مكان فيكي، كان يحكي لي أن هنا كان يذهب للجامعة و رآى جمال عبد الناصر لأول مرة، و هنا كان يعيش مع خالته و هو في الجامعة، و هنا مات السادات، و هنا أول وظيفة له، و هنا سكن عندما كان هو و أمي على الحديدة.

لأنني وجدت أن أقاربي موزعين بطريقة متوازنة على أحيائك، ففي كل حي قريب أو صديق أربطه بهذا المكان.

لأنني عندما دخلت أول مدرسة فيكي صدمت أننا نجلس مع البنات في نفس الفصل – تعلمين أنني ولدت و تربيت في السعودية حيث كانت البنات كائن حرام من أصله – و أحببت لأول مرة، و أنا في السنة الخامسة إبتدائي، بنت إسمها إيمان، و أتذكرها لوقتنا هذا، و أتذكر شكلها، و أتذكر أن بعد أجازة نصف السنة أتت و الحجاب علي رأسها، و أنا كنت أظن وقتها أنه رداء إجباري فقط في السعودية و لكن في مصر هو للسيدات الكبيرات في السن فقط، و مرت السنة و لم أتكلم مع إيمان و لو مرة واحدة، و لكني ظللت أحبها لأنني في إعدادي دخلت مدرسة للأولاد فقط فلم أرى بنات أخريات.

كنت فيكي و لكني كنت جائع للطواف بشوارعك لأري ما بها من إختلاف، لا يشبه شارع فيكي الآخر – بإستثناء بعض مناطق المعادي – و أشعر أن كل شارع فيكي مبني في زمن غير الآخر، له قصصه المختلفة عن أي شارع آخر، به أشخاص مختلفون عن الشارع الآخر، و كنت لا أستطيع أن أفعل ذلك، لإن مدرستي كانت أمام بيتي مباشرة، و كانت أمي لا تسمح لي بالخروج بمفردي تماما، إلا أن وصلت الثانوية العامة، و أصريت أن أذهب لمدرستي بالعجلة، لكي أذهب المدرسة و أرجع منها كل يوم من طريق مختلف، حتى أصبحت أأخذ طرق مطولة جدا لأرى أماكن جديدة لم يسمح لي من القبل الذهاب إليها.

تلذذت بعدها أن أركب الميكروباص و المترو لأماكن لم أذهب لها من قبل، أين الكوربة؟ أين روكسي؟ لماذا أنزل في محطة فاتن حمامة؟ لماذا سميت بهذا الإسم هل كانت تسكن هنا؟ آه المرغني هو نفسه الشارع الذي كان يتمشى فيه عبد الحليم حافظ في الوسادة الخالية مع لبنى عبد العزيز.

و عندما إستوليت على سيارة والدي قهرا و إقتدارا و وضع يد، و أصبحت أسأل كل من أراه – حتى لو لا أعلمه جيدا- (إنت ساكن فين؟) فيجاوب (حلوان) فأرد بدون تفكير (في طريقي هوصلك) و أنا لا أدري ما هي حلوان و أين تقع، و أضل و أنا في طريق العودة و لا يهمني، و لا أسأل أبدا إلا أن أصل بمفردي لطريق العودة.

و عندما أحببت أول حب حقيقي طويل و أفنيت فيه حوالي خمس أو ست أعوام من عمري، كانت متعتنا الحقيقية هي الـ (كروزة) أي اللف في شوارعك بلا هدف، و خصوصا في الزمالك، مكان الحب الأول، و نطوف حولها بلا هدف نسمع ما يقدمه الكاسيت الخربان لنا، و نتشاجر على الشريط الذي سنختاره، و ننفخ فيه ربع ساعة عشان مايسفش، و في يوم نتخذ طريق المحور أو الدائري، أو نطلع المقطم – لأغراض شريفة و الله - و تبدأ هي بالتوتر لعدم معلمتها أين نحن، فأطمئنها أنا حتى لو لم يكن عندي أدنى فكرة عن مكاننا على الخريطة، و تبدأ هي بالبكاء لإن أمها "سترفع الشبشب" فهنا أرفع الراية البيضاء و أسأل أول شخص أجده ليرد علي بكل حكمة "قالك فين؟"

و بعد أن أوصلها لأمها بسلام، و بعد أن يرفع الشبشب، و بعد مكالمة التليفون الطويلة، أبدا بتجميع العصابة، طارق و مصطفى في الهرم، معتصم عند كلية البنات، أحمد أسامة في مدينة نصر، نمر عند الكلية الحربية، لنخرج في المعادي، ثم (نكروز) إحنا كمان شوية، ثم أوصلهم واحدا تلو الآخر، ثم أتلذذ بالرجوع لبيتي بمفردي، لأعلي صوت الكاسيت و أغني معه، و لكن سيارتي تقطع بنزين، و أنا معايا إثنين جنيه لا غير، فأروح البنزينة و أحط شوية بنزين في الجركل و أرجع و أكافح مع العربية إلا أن تصالحني و تعمل و أظل أقرأ القرآن أن تصل للبيت بدون أن تقطع مرة أخرى، و ثاني يوم أتصنع الشهامة لأوصل أبي أي مشوار، لإنه عندما ينظر لمؤشر البنزين أعلم أنه سيقول (يابني البنزين خلصان خش أي بنزينة) و هنا يفولها بكل بساطة، و هنا أعلم إن ليلتنا فل النهاردة و أبدأ أكلم الشباب.

و بعدها لما إكتشفت عالمك التحتي و لاحظت إن المتبرجات اللي ماشيين في جامعة الدول دول مش بيحاولوا يكونوا جمال عشان خاطر الجمال بس عشان خاطر الشباب العرب و الشباب اللي مأجرين عربية و عايزين يتبسطوا، و عرفت إن الأماكن الغريبة ديه الناس بتروح تسكور مخدرات منها، و عرفت إن العمارات ديه فيها شقق دعارة، و عرفت إن شارع الهرم اللي كنت بروحوا لخالاتي و أصحابي فيه كباريهات بيحصل فيها ما شاه و طاب لإبليس، و عرفت إن هضبة المقطم الجميلة ديه أكبر منفذ لكبت الشباب الجنسي و عرفت إن شارع المنتزه في الزمالك أحسن مكان تشرب فيه البيرة الهينيكين، و عرفت إن ولادك بيغلطوا في حقك، حبيتك

المزيد


إسترجل

سبتمبر 3rd, 2009 كتبها عمرو سلامة نشر في , أفكار و خواطر شخصية

أنا حاسس إن اللي هكتبه عامل زي كلام الأهالي و الواعظين و رجال الدين أو أي حد رخم بيحاول ينصح.

بس أنا مش بنصح حد باللي هكتبه، أنا بس هحاول أحط الأفكار اللي بتتخانق جوايا بقالى فترة.

كلنا بتيجي علينا فترات من التفكير، إحنا الشغلانة اللي بنشتغلها ديه ليها لازمة؟ أنا خروجي مع أصحابي له لازمة؟ الوقت اللي بضيعه علي الفيس بوك ليه لازمة؟ أنا لو عبدت أو فجرت هتفرق؟ أنا نفسي ليا لازمة؟ أنا لو مش موجود هتفرق مع الكون الكبير ده؟

ساعات بفكر في ناس كثير أعرفها عدميين جدا، حسين إن كل حاجة مالهاش لازمة، مش داخل دماغهم صح و غلط و جنة و نار و يمكن مش مقتنعين بربنا، و ده حولهم لكسالى قاعدين على كنب بيقضوا كل لحظة بلحظة، عاملين زي ما قال الصينيين السمكة الميتة، لإن السمكة الميتة بس هي اللي بتمشي مع التيار، بفتكرهم و بحس إني مش عايز أبقى كده، من غير أسباب، حاسس إن ده غلط و كخة.

ببص ساعات ثانية لناس ثانية أعرفها برضة، دايرين في الطاحونة، ماعندهمش وقت أصلا يفكروا، قاعدين يشتغلوا الشغلانة اللي ظروفها أحسن ظروف بالنسبة لهم، و بليل يخرجوا لو لحقوا، و عايزين يتجوزوا و يخلفوا عشان يبقى عندهم حاجات أكثر تلهيهم من الأفكار الديه، الأفكار اللي ممكن تؤدي بأي بني آدم عاقل للإنتحار لو ساب نفسه ليها.

الدين اللي أنا مؤمن بيه، و في القرآن اللي أنا مؤمن بيه برضه إتقال إننا مخلوقين عشان نعبد، و كنت فاكر زي معظم الشباب اللي إستمد ثقافته الدينية من وقفة الكشك و القعدة على القهاوي إن العبادة هي الصلاة و الصوم و الحكم على الناس، ده ملتزم و ده ربنا يهديه، ديه بنت محترمة و ديه ……..، و بعد شوية حد قالي جملة "العمل عبادة" و كنت فاكره زي معظم الشباب ديه إن الجملة ديه حديث شريف، و إكتشفت إنها مقولة و خلاص، مش عارفين حتى مين اللي قالها، طيب أمال عبادة يعني إيه طيب؟

طبعا أنا مش هفتي يعني إيه عبادة، بس بقالى فترة دماغي مشغولة، و نفسي أوصل لنتيجة حتى لو عارضت الدين و المعاريف بس دخلت دماغي هرتحلها، يعني إيه عبادة، يعني إيه حلال و حرام، أنا مخلوق ليه؟ أنا هنا ليه؟ حتى لو شرخت و كفرت و فجرت، أنا مش مستعد أبٍقى عدمي و أحس إن وجودي غير مبرر و مش هيفرق و هيتنسي، ببساطة، مش موافق.

لحظة نور حصلتلي في الكام ساعة اللي فاتوا، هي اللي خلتني أقعد أكتب الكلام ده، لحظة إستنتاج و أو بمعنى أصح لحظة التوصل لمعنى مريح نفسيا بالنسبة لي حبيت أشاركه مع أي حد وصل بالقراية لحد السطر ده.

لحظة النور ديه بتحصل معايا كل مرة بنفس الطريقة، موضوع يشغل بالي، ألاقي كل حاجة بتحصل بعدها بتباصيلي أفكار عشان أشوط لحد ما ييجي جون، ممكن أكون انا اللي بعمل تربيطات أي كلام و بشتغل نفسي بس المهم إني بوصل.

النهاردة مثلا و بالصدفة صليت المغرب و لقيت صديقي اللي بيصلي بيا بيقول الآية اللي بتقول إن من يعمل مثقال ذرة خير يرا و من يعمل مثقال ذرة شر يرا، و ديه كانت آخر سلسلة الأفكار.

حتى لو ملحد -أصل أنا بقيت أعرف ملحدين كثير- خدني على قد عقلي، سيبك إن ده كلام قرآني أنا مقتنع مسبقا بيه، بس ماحدش في الدنيا -أنا أعرفه على الأقل- مش مقتنع إن فيه خير و شر، مع مساحة للإختلاف في تعريف الخير و الشر، بس كلنا بنحس بحاجات إنها خير و بنحس حاجات ثانية إنها شر، ممكن نختلف و نقعد نقنع بعض، ممكن نغير أفكارنا أو لأ بس جوانا الغريزة لفعل الخير و بنتبسط لما نعمله و كلنا برضه عنده غريزة إن ضميره بيأنبه لما يعمل الشر، و يإما بيعاقب نفسه، أو يكره نفسه، أو يبرر لنفسه، أو لو كان إيجابي قوي بياخد قرارات جديدة و بيغير من نفسه.

و بكل بساطة، الخير هو اللي بينفعك و ينفع الناس، و الشر هو اللي بيئذيك و يئذي الناس، و ربنا حلل و طلب منا اللي هو شيفوا خير و بينفع و حرم اللي شايفه شر و مؤذي، ببساطة.

فأعتقد بكل بساطة، و نتيجة لما سبق، الحياة هي رحلة من فعل الحلال اللي هو الخير و محاولة تجنب الشر و كل واحد و دماغه في الرحلة الأبدية لربط بين كل حاجة في حياته بين ديه أو ديه.

بس السر الأعظم و المصيبة اللي كنت الناس مش واخدة بالها منها إن مش مهم إنك تعرف و تربط بين الأفعال و الخير و الشر و الحلال و الحرام، الأهل مليون مرة هو إنك تعمل، و المسؤولية المحطوطة عليك من ربك و من المجتمع و اللي المفروض تحطها على نفسك – و ده الأهم – إنك تعمل، القوة اللي الجواك لازم تكبرها عشان تحارب أشد عدو للبشرية من وجهة نظري و هو النفس، الأمارة بالسوء و الشر و المحبة للغرائز و المصيبة الأكبر الأمارة بالعدو اليومي المرير الصعب في قهره، الكسل.

و بعد الكسل هيواجهك مليون حا

المزيد


الذكريات غير السعيدة لهاني سوسة

مايو 16th, 2009 كتبها عمرو سلامة نشر في , أفكار و خواطر شخصية

محفورة هي ذكرياته عن مدرسته، منقوشة ببراعة على حوائط عقله الباطن و الواعي، لا ينساها و يستطيع إسترجاعها بسلاسة، رغم أنفه تقف أمامه الصور و الأصوات كلما حاول أن يتجاهلها، بكل ما إستطاع بذل أقصى مجهودة ليبعدها عن خياله، ليطرد هذه الطاقات السلبية من عقله و من قلبه، هذه الذكريات هي النواة الصغيرة التي دائما ما تتفجر لتحدث إنفجار ذري لكل مشاعر الكره و الظلم التي يكنها، بالرغم إنه إنسان طبيعي، بشوش، محب للمجتمع، غير متعكر المزاج، تراه دائما مازحا و ذو روح دعاية عالية و حس فكاهي جذاب، و لكن هذه الذكريات التي تأتي بدون دعوة أو ترحيب قادرة علي تعكير مزاجه.

يمر دائما أمام مدرسته و لا ينظر لها، لا يريد أن ينظر لسورها أو لحوائطها و لنوافذها، يعلم أن كل طوبة سيفتح شرخ في نفسه، يتوتر عندما يفعل، عندما تقف السيارات في زحمة المرور أمامها، يبدأ في التصبب في العرق، يضغط على الزر ليعلوا صوت المذياع، يغلق شبابيك السيارة، يحاول أن يغني مع أي أغنية، يدخن سيجارته، يفكر في أي حالة من الحالات التي يعالجها في عيادته الفخمة، يفكر في إبنته و كيف يحبها، حتى تسير سيارته، و يبتعد عن المدرسة القديمة، هنا يشعر كإنه كان يغرق و الآن فقط طفى فوق سطح البحر و تنفس من جديد، و يحاول أن يذكر نفسه أنه في المرة القادمة سيأخذ الطريق الأطول حتى لا يمر من هنا.

بالرغم أن عشرة سنين تقريبا مرت على كل هذه الأحداث و لكن هاني يتذكرها و يتذكر مشاعره وقتها، يتذكر جيدا هذه الليلة التي سبقت أول يوم في الدراسة، كانت ليلة متوترة غير مريحة، لم يستطع النوم يومها إلا نصف الساعة، مع إنه كان مستلقى على السرير من الساعة العاشرة مسائا، و لكنه لم ينم إلى أن وصلت السابعة صباحا، حاول أن يفكر في كل كلام أمه المهدئ، حاول  أن يتذكر أبيه المتوفى ربما يأخذ يده و يدخله حلما ليقابله فيه، ظل يناجي يسوع، يدعيه أن يسهل نومه و يساعده في غلق جفنة، كان عقله مشغول بهذه المدرسة الجديدة التي سيدخلها، مدرسة يعلم أنها ستختلف تماما عن هذه المدرسة الخاصة غالية المصاريف التي كان بها السنوات السابقة، جلست معه أمه، حاولت أن تمتدح المدرسة الجديدة، بأنها عريقة و أخرجت رجال  مهمين في المجتمع، و علمت أنها لن تستطيع خداعه طويلا فشرحت له ظروفهم بعد موت أبيه المفاجأ، شرحت له أنها لا تريد إهانة نفسها بطلب المساعدات من عمه أو من جده، و تفهم هو هذا بعقلانية و مسؤولية بالرغم من عدم تعديه سن الإثنى عشر سنة، أو على الأقل تظاهر بهذا، في الحقيقة هو لم يكن يعي الفرق بين المدرستين، و لأنه رآى عيناها تدمع فإبتسم و كان مستعد للموافقة علي أي شيء تقوله، حاول أن يربت على كتفها بنفس طريقة والده، فلاحظت هي ذكاء محاولته و إبتسمت.

بعدما إستيقظ تمنى لو لم يكن نام هذه النصف ساعة، شعر بالدوار و الصداع و الغثيان، أكل البيضة و لعق العسل ككل يوم، و أخذ معه تفاحته الخضراء التي تقشرها أمه له كل يوم، كان رفيعا يبدوا هزيلا و لكنه كان رياضيا، يحبه مدرب التنس في النادي، كان المدرب الرجل الذي أصبح بدل فاقد للأب في أعين هاني، لأنه ينظر له بحنان، لإنه مسيحي مثله، لإن أعينه خضراء تماما مثل والده.

توقفت سيارة أمه – الفيات ١٢٨ البيضاء – أمام المدرسة، نظرت للأطفال الداخلين معه، و نظر هو أيضا، تعجب من أشكالهم، أشكالهم تختلف تماما عن أصدقائه في مدرسته السابقة، و عددهم لا يحصى بالنسبة لعدد من كانوا معه، و إستعجب من عدم هندمتهم، و إن كل منهم يرتدي ملابس مختلفة عن زملائه، فلماذا تأنق هو إذن و ألتزم بالزي الموحد؟ لماذا إرتدى رابطة العنق – أم أستك – و لماذا كوت أمه قميصه و بنطاله في ربع ساعة و لماذا سرح شعره؟

و من قبل أن يرتجل من السيارة بدأ الشعور بالوحدة في التغلل داخله، و شعور آخر بالتغرب، علم أن هذا العالم لن يكون هينا، لن يرحب به، لن يشعر فيه بالألفة، و لم يكن متأكدا إن كان سيستطيع التكيف معه أم لا، هل سيستطيع أن يصادق أحد من هؤلاء الفتية الذين لا يشبهونه و لا يشبههم.

ودعته أمه ببرود مصطنع حتى لا تجعله يهول من الموقف، قالت له أنها ستكون هنا قبل ميعاد خروجه، فنزل من السيارة و هو يلاحظ أن كل زملائه ينظرون لها، و لشعرها الأصفر الذهبي، و لسيارتها التي هي بالنسبة لهم فخمة بما إنها سيارة في حد ذاتها، و لاحظ أحدهم ينظر له و يقول له بفم مفتوح ببلاهة "أمك مزة يالا"، نزلت عليه الكلمة كالصاعقة، هاهي أول رسالة ترحيب منهم له، ها هي أول جملة يسمعها من زملائه، فار دمه، لم يدري ماذا يفعل، و بينما هو مصعوق مما سمعه، و بينما هو يحاول ترجمة كلمة "مزة" التي لم يسمعها من قبل، وجد أن قائلها إختفى وسط الجموع، الجموع الممتدى على مرمى البصر، في حوش كبير مترب، إعتلى التراب مستوى الأرض، و أصبح يرى التراب يطفوا فوق الأرض بأمتار بسبب كثرة السائرين عليه، نظر لهذه الصورة المصفرة، و عطس من كثرة التراب، و دخل الحوش و قلبه ينبض بعنف.

أخذ وقتا إلى أن علم في أي طابور يقف، ملايين الطوابير، كل طابور يقف فيه على الأقل ثمانون تلميذا، ملايين المدرسين، شعر بالضئالة بين هذه الأعداد الغفيرة، وقف في طابوره و ظل يتأمل أشكال زملائه، ظل يتأمل حركاتهم و ملابسهم، أحس أنه دخل الجحيم للتو، أشكالهم مرعبة، حركاتهم غربية عليه، صوتهم عالى، يسلمون على بعضهم البعض بترحاب مبالغ فيه، يمسكون بعضهم في أماكن غريبة كنوع من الدعابة، حاول هو التماسك، و حاول أن يخفي نظراته لهم، حاول أن يركز في تحية العلم، مع الأغنية الوطنية التي يغنيها تلميذ يقف على منبر عالي بينما خلفه فرقة موسيقية كاملة، أحدهم على طبلة و الآخر على أورج و الآخر ممسكا بناي، حاول أن يستمع جيدا لمعلومة "هل تعلم" حاول أن يتظاهر الإهتمام بأن "عمر السلحفاة يتراوح بين ثمانين و مائة عام" إهتم جيدا بسماع الآية القرآنية و الحديث الشريف حتى و هو لا يفهم اللغة العربية الفصحى جيدا إلى أن إنتهت هذه المراسم الرسمية و إعتلى الناظر المنبر و بدأ بقول تحذيراته الجديدة، أو للدقة تهديداته و وعيده لأي إختلال، سمع  منه لغة جديدة على أذنه، الرجل يسب بين كل سبة و سبة سبة، سبب جديدة لم يسمعها من قبل في الشارع أو في التلفاز، "يا حشرات ضارة" مثلا "يا كلاب المجتمع" أو "اللي مش هيحترم نفسه هعلقه من لباسه ع العلم لحد ما ييجي ولي أمره" و هكذا، و لكن إلي حد ما كانت تحذيراته مطمئنة له، وجود رقابة صارمة ستجعل هؤلاء التلاميذ خائفين و ستجعلهم أكثر إستقامة، و لكنه كان متفائل، حيث أن بعدما أطول الرجل في خطبته التي يظنها تاريخية بدأ هاني يسمع تعليقات التلاميذ الساخرة "ماتخلصنا يا عم الشجيع" و جمل من هذا القبيل، و عندما قال أحدهم "يا عم سيبك من الكلمتين بتوع أول كل سنة دول و سيبنا نطلع ننام" بصوت عالى جهور سمعه مدرس، فلم يتردد بإعطائه صفعة مدوية علي قفاه و هنا وقع التلميذ و تحول أسلوبه من ناقد ساخر معارض إلي طفل رضيع يبكي بشدة، في لحظة نزلت الدموع بغزارة من عينيه و نزل المخاط الأصفر و الشفاف من أنفه كأنه ضغط على زر خفي تحت أذنه لتخرج هذه السوائل كالفيضان بدون مقدمات، و ظل يحلف بالله و الكعبة و النعمة أنه لم يقل أو يفعل شيء، و لكن المدرس حمله من أذنه و إعطاه ركلة أخرى على مؤخرته و قال له "إطلعلي فوق" و إصطنع التلميذ أنه متجه لهذا "الفوق" و لكنه ذاب وسط الجموع و وقف متخفيا في طابور آخر، و نظر لهاني الذي كان يتابعه بنظراته و علم مكانه، نظر له في تهديد فلم ينبت هاني بالطبع ببنت شفة، و كانت هذه أول مرة يرى فيها هاني هذا التلميذ، علي.

كان على سمين، شعره أحمر و عيناه زرقاء و لكن هذه الألوان لم تضفي عليه أي من أشكال البرائة، علي النقيض إعطته شكل مخيف مرهب، كان قميصه دائما خارج عن البنطال و كرشه الكبير مدلدل منه، من الواضح أن ملابسه أضيق منه، صوته عالى و وجهه محمر دائما و لم تكن تراه إلا و تجد وجهه مصبب بالعرق إلى درجة تجعلك تظن أنه "طس" وجهه للتو بالكثير من الماء و لم يقم بتنشيفه.

دخل هاني الفصل، وجدهم جميعا بقوة و عنف يتصارعان على مقاعدهم المفضلة، جلس علي بالطبع في آخر صف على طاولة يحتلها بمفرده، من المفترض أن هذه الطاولة الصغيرة يجلس عليها إثنان من التلامذة، ، لكن بالطبع كانت معظم الطاولات يجلس عليها ثلاثة تلاميذ بسبب العدد الكبير الذي يفوق عدد الطاولات، و وقف هاني في صمت يلاحظ ما يحدث، منتظر أن تهدأ الزوبعة، ليجد أن الطاولة الوحيدة الخالية هي الطاولة الواقعة في الصف الأول في المنتصف تماما، ما لاحظة أيضا أنه لم يجلس عليها أحد و فضل البعض "التزنيق" على الجلوس على هذه الطاولة، فمن المؤكد أنها ملعونة بشكل ما لم يفهمه هاني، و هنا في إستسلام إتجه هاني لها، ليجلس عليها بمفرده.

لاحظ الجميع أن هاني معه حقيبة غالية الثمن، لاحظ الجميع أن حذائه و ملابسه أنيقين منمقين، لاحظوا أنه يرتدي الزي الرسمي و لم يخرج عنه، و كان هذا كافي لإستفزازهم و لتحديد هوية طاقتهم التي ستفرز تجاهه، من المؤكد أنها ستكون طاقة سلبية، من المؤكد أن هذا الزميل الجديد سيكون "تاكسي السهرة"، و هذا هو المصطلح الذين يطلقونه على أقلهم مقدرة و قدرات جسمانية و الذي سيكون له نصيب الأسد من المضايقات و الإستهزاء و النكات و الذي سيستغله الجميع لتحقيق أي غرض لهم.

بدأت الحصة الأولى، و توالت الحصص بعدها، و لم يشرح أحد من المدرسين شيء، كانوا مهتمين بتقديم أنفسهم و إختيار لون الجلاد و توضيح معالم شخصياتهم في أول تعارف بينهم و بين التلاميذ، و تفنن الجميع في إرهاب الأطفال، كل بطريقته، حتى يفرض شخصيته عليهم "من أولها"، و كانوا يستخدون طرق إقناع غريبة بعض الشيء، كان كل منهم يتباهى بالمكان الذي جاء منه كمثل "و ماحدش يفتكر فيكوا إني محترم، أنا من إمبابة و اللي هيتكلم هطلع…. و الآخر "أنا من حواري بولاق و عارف حركاتكم كويس" و هكذا، و تقريبا جميعهم إتفق على شيء واحد "تبقى محترم أحترمك، تقل أدبك أو تنسى نفسك هقلع اللي في رجلي و أديك بيه"، و كشكل من أشكال التعارف طلب منهم أحدهم أن يقف كل منهم و يقول إسمه و مهنة والده – فهم هاني بعد سنين أن الغرض من هذا السؤال أن يعلم المدرس إن كان التلميذ له "ظهر" أم يستطيع أن يهينه كما يشاء – و لاحظ هاني أن الجميع يقول كلمة "لامؤاخذة" قبل المهنة، و لم يكن يعلم هاني معنى الكلمة محددا غير أنه يسمعها في ليالي الحلمية، فكان التلامذة يقولون "لامؤاخذة حلاق" أو "لامؤاخذة صرماتي" و قال علي "لامؤخاذة جزار" و هكذا، و لم يكن هاني يعلم معظم هذه المهن، و لا يتذكر أنه سأل أي من أصدقائه من قبل عن مهنة أبيه أو أمه، و كان يظن أن المهن هم دكتور أو مهندس فقط، و لهذا عندما وقف قال "هاني.. بابا لامؤخذة مات" و هنا سأله مدرس العلوم "و لامؤخذة ليه؟" فرد هاني في إحراج "أصلهم كلهم بيقولوها" و هنا إنفجر علي في الضحك و بالطبع ضحك الجميع خلفه – كان علي المقرر دائما لردود الفعل، إن ضحك علي على شيء فوجب من الجميع الضحك، إن إعترض يعترض الجميع إن صمت تسمع صوت الإبرة لو وقعت على أرض الفصل – و هنا صاح علي "دا إنت اللي شكلك لامؤخذة يالا" و هنا ضحك الجميع أكثر، و صاح أحد المهللين "الواد ده إسمه لامؤاخذة" فقام الآخر بالتكملة "يا لامؤخذاااااة" و هنا أسكتهم المدرس.

بالطبع لم يكن هاني يعلم أن هذا سيكون إسمه الذي أطلق و سيطلق عليه دائما.

في الفسحة دخل هاني الحمام بشنطته، ليأكل التفاحة بدون أن يراه أحد، كان يعلم أنه إن أخرج التفاحة أمام هؤلاء المتوحشين سيقومون عليه الحد و إن لم يأكلها ستكون مشكلة أكبر مع أمه.

جائت الحصة الأخيرة التي كان ينتظرها هاني بفارغ الصبر، كانت حصة لغة عربية، دخل المدرس و سأل جميعهم عن إسمهم بالكامل الثنائى أو الثلاثي و في أوقات أخرى الرباعي – لم يكن هاني يعلم أن الغرض من السؤال هو أن يعلم المدرس بطريقة "خبيثة" إن كان أحدهم مسيحي أم لا – و كان الجميع يقول إسمه إلى أن يقول إسم من الأسامي التي تطلق على المسلمين مثل محمد أو أحمد أو مصطفى و هنا كان يطمئن المدرس و يقاطعه، و عندما أتى الدور على هاني وقف و بدأ بقول أسمه "هاني عبد الله ….” قاطعه المدرس قبل أن ينطق هاني ببقية أسمه الذي كان "جرجس سوسة" و قال له المدرس "أقعد" و عندما إنتهى من الفصل كله قال في راحة "الحمد لله.. يعني مافيش حد هنا مسيحي"، كانت هذه الصاعقة الأخيرة من سلسلة الصواعق التي تلقاها هاني في يومه الأول، إنتهت الحصة الأخيرة و هرع هاني للحوش، ثم لخارج المدرسة، يعدوا و هو حاملا حقيبته الثقيلة الوزن التي تتأرجح على كتفيه، كأنه يريد أن يستيقظ من هذا الكابوس، وجد أمه في ال

المزيد


التالي