محفورة هي ذكرياته عن مدرسته، منقوشة ببراعة على حوائط عقله الباطن و الواعي، لا ينساها و يستطيع إسترجاعها بسلاسة، رغم أنفه تقف أمامه الصور و الأصوات كلما حاول أن يتجاهلها، بكل ما إستطاع بذل أقصى مجهودة ليبعدها عن خياله، ليطرد هذه الطاقات السلبية من عقله و من قلبه، هذه الذكريات هي النواة الصغيرة التي دائما ما تتفجر لتحدث إنفجار ذري لكل مشاعر الكره و الظلم التي يكنها، بالرغم إنه إنسان طبيعي، بشوش، محب للمجتمع، غير متعكر المزاج، تراه دائما مازحا و ذو روح دعاية عالية و حس فكاهي جذاب، و لكن هذه الذكريات التي تأتي بدون دعوة أو ترحيب قادرة علي تعكير مزاجه.
يمر دائما أمام مدرسته و لا ينظر لها، لا يريد أن ينظر لسورها أو لحوائطها و لنوافذها، يعلم أن كل طوبة سيفتح شرخ في نفسه، يتوتر عندما يفعل، عندما تقف السيارات في زحمة المرور أمامها، يبدأ في التصبب في العرق، يضغط على الزر ليعلوا صوت المذياع، يغلق شبابيك السيارة، يحاول أن يغني مع أي أغنية، يدخن سيجارته، يفكر في أي حالة من الحالات التي يعالجها في عيادته الفخمة، يفكر في إبنته و كيف يحبها، حتى تسير سيارته، و يبتعد عن المدرسة القديمة، هنا يشعر كإنه كان يغرق و الآن فقط طفى فوق سطح البحر و تنفس من جديد، و يحاول أن يذكر نفسه أنه في المرة القادمة سيأخذ الطريق الأطول حتى لا يمر من هنا.
بالرغم أن عشرة سنين تقريبا مرت على كل هذه الأحداث و لكن هاني يتذكرها و يتذكر مشاعره وقتها، يتذكر جيدا هذه الليلة التي سبقت أول يوم في الدراسة، كانت ليلة متوترة غير مريحة، لم يستطع النوم يومها إلا نصف الساعة، مع إنه كان مستلقى على السرير من الساعة العاشرة مسائا، و لكنه لم ينم إلى أن وصلت السابعة صباحا، حاول أن يفكر في كل كلام أمه المهدئ، حاول أن يتذكر أبيه المتوفى ربما يأخذ يده و يدخله حلما ليقابله فيه، ظل يناجي يسوع، يدعيه أن يسهل نومه و يساعده في غلق جفنة، كان عقله مشغول بهذه المدرسة الجديدة التي سيدخلها، مدرسة يعلم أنها ستختلف تماما عن هذه المدرسة الخاصة غالية المصاريف التي كان بها السنوات السابقة، جلست معه أمه، حاولت أن تمتدح المدرسة الجديدة، بأنها عريقة و أخرجت رجال مهمين في المجتمع، و علمت أنها لن تستطيع خداعه طويلا فشرحت له ظروفهم بعد موت أبيه المفاجأ، شرحت له أنها لا تريد إهانة نفسها بطلب المساعدات من عمه أو من جده، و تفهم هو هذا بعقلانية و مسؤولية بالرغم من عدم تعديه سن الإثنى عشر سنة، أو على الأقل تظاهر بهذا، في الحقيقة هو لم يكن يعي الفرق بين المدرستين، و لأنه رآى عيناها تدمع فإبتسم و كان مستعد للموافقة علي أي شيء تقوله، حاول أن يربت على كتفها بنفس طريقة والده، فلاحظت هي ذكاء محاولته و إبتسمت.
بعدما إستيقظ تمنى لو لم يكن نام هذه النصف ساعة، شعر بالدوار و الصداع و الغثيان، أكل البيضة و لعق العسل ككل يوم، و أخذ معه تفاحته الخضراء التي تقشرها أمه له كل يوم، كان رفيعا يبدوا هزيلا و لكنه كان رياضيا، يحبه مدرب التنس في النادي، كان المدرب الرجل الذي أصبح بدل فاقد للأب في أعين هاني، لأنه ينظر له بحنان، لإنه مسيحي مثله، لإن أعينه خضراء تماما مثل والده.
توقفت سيارة أمه – الفيات ١٢٨ البيضاء – أمام المدرسة، نظرت للأطفال الداخلين معه، و نظر هو أيضا، تعجب من أشكالهم، أشكالهم تختلف تماما عن أصدقائه في مدرسته السابقة، و عددهم لا يحصى بالنسبة لعدد من كانوا معه، و إستعجب من عدم هندمتهم، و إن كل منهم يرتدي ملابس مختلفة عن زملائه، فلماذا تأنق هو إذن و ألتزم بالزي الموحد؟ لماذا إرتدى رابطة العنق – أم أستك – و لماذا كوت أمه قميصه و بنطاله في ربع ساعة و لماذا سرح شعره؟
و من قبل أن يرتجل من السيارة بدأ الشعور بالوحدة في التغلل داخله، و شعور آخر بالتغرب، علم أن هذا العالم لن يكون هينا، لن يرحب به، لن يشعر فيه بالألفة، و لم يكن متأكدا إن كان سيستطيع التكيف معه أم لا، هل سيستطيع أن يصادق أحد من هؤلاء الفتية الذين لا يشبهونه و لا يشبههم.
ودعته أمه ببرود مصطنع حتى لا تجعله يهول من الموقف، قالت له أنها ستكون هنا قبل ميعاد خروجه، فنزل من السيارة و هو يلاحظ أن كل زملائه ينظرون لها، و لشعرها الأصفر الذهبي، و لسيارتها التي هي بالنسبة لهم فخمة بما إنها سيارة في حد ذاتها، و لاحظ أحدهم ينظر له و يقول له بفم مفتوح ببلاهة "أمك مزة يالا"، نزلت عليه الكلمة كالصاعقة، هاهي أول رسالة ترحيب منهم له، ها هي أول جملة يسمعها من زملائه، فار دمه، لم يدري ماذا يفعل، و بينما هو مصعوق مما سمعه، و بينما هو يحاول ترجمة كلمة "مزة" التي لم يسمعها من قبل، وجد أن قائلها إختفى وسط الجموع، الجموع الممتدى على مرمى البصر، في حوش كبير مترب، إعتلى التراب مستوى الأرض، و أصبح يرى التراب يطفوا فوق الأرض بأمتار بسبب كثرة السائرين عليه، نظر لهذه الصورة المصفرة، و عطس من كثرة التراب، و دخل الحوش و قلبه ينبض بعنف.
أخذ وقتا إلى أن علم في أي طابور يقف، ملايين الطوابير، كل طابور يقف فيه على الأقل ثمانون تلميذا، ملايين المدرسين، شعر بالضئالة بين هذه الأعداد الغفيرة، وقف في طابوره و ظل يتأمل أشكال زملائه، ظل يتأمل حركاتهم و ملابسهم، أحس أنه دخل الجحيم للتو، أشكالهم مرعبة، حركاتهم غربية عليه، صوتهم عالى، يسلمون على بعضهم البعض بترحاب مبالغ فيه، يمسكون بعضهم في أماكن غريبة كنوع من الدعابة، حاول هو التماسك، و حاول أن يخفي نظراته لهم، حاول أن يركز في تحية العلم، مع الأغنية الوطنية التي يغنيها تلميذ يقف على منبر عالي بينما خلفه فرقة موسيقية كاملة، أحدهم على طبلة و الآخر على أورج و الآخر ممسكا بناي، حاول أن يستمع جيدا لمعلومة "هل تعلم" حاول أن يتظاهر الإهتمام بأن "عمر السلحفاة يتراوح بين ثمانين و مائة عام" إهتم جيدا بسماع الآية القرآنية و الحديث الشريف حتى و هو لا يفهم اللغة العربية الفصحى جيدا إلى أن إنتهت هذه المراسم الرسمية و إعتلى الناظر المنبر و بدأ بقول تحذيراته الجديدة، أو للدقة تهديداته و وعيده لأي إختلال، سمع منه لغة جديدة على أذنه، الرجل يسب بين كل سبة و سبة سبة، سبب جديدة لم يسمعها من قبل في الشارع أو في التلفاز، "يا حشرات ضارة" مثلا "يا كلاب المجتمع" أو "اللي مش هيحترم نفسه هعلقه من لباسه ع العلم لحد ما ييجي ولي أمره" و هكذا، و لكن إلي حد ما كانت تحذيراته مطمئنة له، وجود رقابة صارمة ستجعل هؤلاء التلاميذ خائفين و ستجعلهم أكثر إستقامة، و لكنه كان متفائل، حيث أن بعدما أطول الرجل في خطبته التي يظنها تاريخية بدأ هاني يسمع تعليقات التلاميذ الساخرة "ماتخلصنا يا عم الشجيع" و جمل من هذا القبيل، و عندما قال أحدهم "يا عم سيبك من الكلمتين بتوع أول كل سنة دول و سيبنا نطلع ننام" بصوت عالى جهور سمعه مدرس، فلم يتردد بإعطائه صفعة مدوية علي قفاه و هنا وقع التلميذ و تحول أسلوبه من ناقد ساخر معارض إلي طفل رضيع يبكي بشدة، في لحظة نزلت الدموع بغزارة من عينيه و نزل المخاط الأصفر و الشفاف من أنفه كأنه ضغط على زر خفي تحت أذنه لتخرج هذه السوائل كالفيضان بدون مقدمات، و ظل يحلف بالله و الكعبة و النعمة أنه لم يقل أو يفعل شيء، و لكن المدرس حمله من أذنه و إعطاه ركلة أخرى على مؤخرته و قال له "إطلعلي فوق" و إصطنع التلميذ أنه متجه لهذا "الفوق" و لكنه ذاب وسط الجموع و وقف متخفيا في طابور آخر، و نظر لهاني الذي كان يتابعه بنظراته و علم مكانه، نظر له في تهديد فلم ينبت هاني بالطبع ببنت شفة، و كانت هذه أول مرة يرى فيها هاني هذا التلميذ، علي.
كان على سمين، شعره أحمر و عيناه زرقاء و لكن هذه الألوان لم تضفي عليه أي من أشكال البرائة، علي النقيض إعطته شكل مخيف مرهب، كان قميصه دائما خارج عن البنطال و كرشه الكبير مدلدل منه، من الواضح أن ملابسه أضيق منه، صوته عالى و وجهه محمر دائما و لم تكن تراه إلا و تجد وجهه مصبب بالعرق إلى درجة تجعلك تظن أنه "طس" وجهه للتو بالكثير من الماء و لم يقم بتنشيفه.
دخل هاني الفصل، وجدهم جميعا بقوة و عنف يتصارعان على مقاعدهم المفضلة، جلس علي بالطبع في آخر صف على طاولة يحتلها بمفرده، من المفترض أن هذه الطاولة الصغيرة يجلس عليها إثنان من التلامذة، ، لكن بالطبع كانت معظم الطاولات يجلس عليها ثلاثة تلاميذ بسبب العدد الكبير الذي يفوق عدد الطاولات، و وقف هاني في صمت يلاحظ ما يحدث، منتظر أن تهدأ الزوبعة، ليجد أن الطاولة الوحيدة الخالية هي الطاولة الواقعة في الصف الأول في المنتصف تماما، ما لاحظة أيضا أنه لم يجلس عليها أحد و فضل البعض "التزنيق" على الجلوس على هذه الطاولة، فمن المؤكد أنها ملعونة بشكل ما لم يفهمه هاني، و هنا في إستسلام إتجه هاني لها، ليجلس عليها بمفرده.
لاحظ الجميع أن هاني معه حقيبة غالية الثمن، لاحظ الجميع أن حذائه و ملابسه أنيقين منمقين، لاحظوا أنه يرتدي الزي الرسمي و لم يخرج عنه، و كان هذا كافي لإستفزازهم و لتحديد هوية طاقتهم التي ستفرز تجاهه، من المؤكد أنها ستكون طاقة سلبية، من المؤكد أن هذا الزميل الجديد سيكون "تاكسي السهرة"، و هذا هو المصطلح الذين يطلقونه على أقلهم مقدرة و قدرات جسمانية و الذي سيكون له نصيب الأسد من المضايقات و الإستهزاء و النكات و الذي سيستغله الجميع لتحقيق أي غرض لهم.
بدأت الحصة الأولى، و توالت الحصص بعدها، و لم يشرح أحد من المدرسين شيء، كانوا مهتمين بتقديم أنفسهم و إختيار لون الجلاد و توضيح معالم شخصياتهم في أول تعارف بينهم و بين التلاميذ، و تفنن الجميع في إرهاب الأطفال، كل بطريقته، حتى يفرض شخصيته عليهم "من أولها"، و كانوا يستخدون طرق إقناع غريبة بعض الشيء، كان كل منهم يتباهى بالمكان الذي جاء منه كمثل "و ماحدش يفتكر فيكوا إني محترم، أنا من إمبابة و اللي هيتكلم هطلع…. و الآخر "أنا من حواري بولاق و عارف حركاتكم كويس" و هكذا، و تقريبا جميعهم إتفق على شيء واحد "تبقى محترم أحترمك، تقل أدبك أو تنسى نفسك هقلع اللي في رجلي و أديك بيه"، و كشكل من أشكال التعارف طلب منهم أحدهم أن يقف كل منهم و يقول إسمه و مهنة والده – فهم هاني بعد سنين أن الغرض من هذا السؤال أن يعلم المدرس إن كان التلميذ له "ظهر" أم يستطيع أن يهينه كما يشاء – و لاحظ هاني أن الجميع يقول كلمة "لامؤاخذة" قبل المهنة، و لم يكن يعلم هاني معنى الكلمة محددا غير أنه يسمعها في ليالي الحلمية، فكان التلامذة يقولون "لامؤاخذة حلاق" أو "لامؤاخذة صرماتي" و قال علي "لامؤخاذة جزار" و هكذا، و لم يكن هاني يعلم معظم هذه المهن، و لا يتذكر أنه سأل أي من أصدقائه من قبل عن مهنة أبيه أو أمه، و كان يظن أن المهن هم دكتور أو مهندس فقط، و لهذا عندما وقف قال "هاني.. بابا لامؤخذة مات" و هنا سأله مدرس العلوم "و لامؤخذة ليه؟" فرد هاني في إحراج "أصلهم كلهم بيقولوها" و هنا إنفجر علي في الضحك و بالطبع ضحك الجميع خلفه – كان علي المقرر دائما لردود الفعل، إن ضحك علي على شيء فوجب من الجميع الضحك، إن إعترض يعترض الجميع إن صمت تسمع صوت الإبرة لو وقعت على أرض الفصل – و هنا صاح علي "دا إنت اللي شكلك لامؤخذة يالا" و هنا ضحك الجميع أكثر، و صاح أحد المهللين "الواد ده إسمه لامؤاخذة" فقام الآخر بالتكملة "يا لامؤخذاااااة" و هنا أسكتهم المدرس.
بالطبع لم يكن هاني يعلم أن هذا سيكون إسمه الذي أطلق و سيطلق عليه دائما.
في الفسحة دخل هاني الحمام بشنطته، ليأكل التفاحة بدون أن يراه أحد، كان يعلم أنه إن أخرج التفاحة أمام هؤلاء المتوحشين سيقومون عليه الحد و إن لم يأكلها ستكون مشكلة أكبر مع أمه.
جائت الحصة الأخيرة التي كان ينتظرها هاني بفارغ الصبر، كانت حصة لغة عربية، دخل المدرس و سأل جميعهم عن إسمهم بالكامل الثنائى أو الثلاثي و في أوقات أخرى الرباعي – لم يكن هاني يعلم أن الغرض من السؤال هو أن يعلم المدرس بطريقة "خبيثة" إن كان أحدهم مسيحي أم لا – و كان الجميع يقول إسمه إلى أن يقول إسم من الأسامي التي تطلق على المسلمين مثل محمد أو أحمد أو مصطفى و هنا كان يطمئن المدرس و يقاطعه، و عندما أتى الدور على هاني وقف و بدأ بقول أسمه "هاني عبد الله ….” قاطعه المدرس قبل أن ينطق هاني ببقية أسمه الذي كان "جرجس سوسة" و قال له المدرس "أقعد" و عندما إنتهى من الفصل كله قال في راحة "الحمد لله.. يعني مافيش حد هنا مسيحي"، كانت هذه الصاعقة الأخيرة من سلسلة الصواعق التي تلقاها هاني في يومه الأول، إنتهت الحصة الأخيرة و هرع هاني للحوش، ثم لخارج المدرسة، يعدوا و هو حاملا حقيبته الثقيلة الوزن التي تتأرجح على كتفيه، كأنه يريد أن يستيقظ من هذا الكابوس، وجد أمه في ال
المزيد